مقالات

نهر الليطاني… من النبع إلى المصب… بين الجغرافيا والسياسة

بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد 

ليس نهر الليطاني مجرد مجرى مائي يعبر الأرض اللبنانية، بل هو شريان حياة يمتد من قلب سهل البقاع حتى البحر الأبيض المتوسط، حاملاً في مياهه تاريخًا وجغرافيا واقتصادًا وأبعادًا سياسية تتجاوز حدود الطبيعة نفسها. وعندما يُطرح في الخطاب السياسي أو العسكري عنوان الوصول إلى الليطاني هذا قد يعني من النبع إلى المصب، فإن الأمر لا يتعلّق بنهرٍ فحسب، بل بخارطةٍ كاملة من القرى والمدن والمجتمعات التي تشكّل جزءًا من الكيان اللبناني.

ينبع النهر من منطقة بعلبك في أعالي البقاع، قريبًا من زحلة، حيث تتفجّر الينابيع في أرضٍ زراعية شكّلت عبر الزمن خزانًا مائيًا وغذائيًا للبنان. ومن هناك يبدأ الليطاني رحلته الطويلة، عابرًا قرى البقاع مثل قب الياس وبر الياس والمرج وجب جنين، قبل أن يصل إلى بحيرة القرعون، التي تُعدّ أكبر بحيرة اصطناعية في لبنان ومركزًا أساسيًا لتجميع المياه وتوليد الطاقة والري.

ومن القرعون ينحدر النهر نحو البقاع الغربي والجنوب، مارًّا بمناطق يحمر والخردلي وبلاط ومحيط مرجعيون، ليواصل جريانه عبر السهول والوديان حتى يصل إلى القاسمية، حيث تتوزّع الأراضي الزراعية التي تعتمد بشكل أساسي على مياهه. وفي نهاية الرحلة، يسلّم الليطاني مياهه إلى البحر قرب صور، ليكتمل مشهد نهرٍ يمتد على طول يقارب 170 كيلومترًا، وهو الأطول الذي يجري بالكامل داخل الأراضي اللبنانية.

هذا الامتداد الجغرافي يجعل من الليطاني أكثر من نهر؛ فهو مساحة جغرافية كاملة تربط البقاع بالجنوب، والزراعة بالطاقة، والمياه بالسيادة. فحين يُذكر الليطاني في أي طرح سياسي، فإن المقصود ليس خطًا مائيًا فقط، بل شريطًا يمتد من بعلبك إلى صور، ويضم عشرات القرى والبلدات التي تشكّل جزءًا من النسيج الوطني اللبناني.

إن الحديث عن الليطاني من النبع إلى المصب يفتح بابًا واسعًا لفهم العلاقة بين الجغرافيا والسياسة. فالنهر الذي يغذّي الأرض بالمياه، يغذّي أيضًا النقاشات حول الحدود والسيادة والأمن والموارد. وبين الطبيعة التي رسمت مجراه، والسياسة التي تحاول رسم حدودها عليه، يبقى الليطاني شاهدًا على أن الأنهار في الشرق ليست مجرد مياه تجري، بل خرائط حياة تتداخل فيها الأرض والإنسان والتاريخ.

وفي الخلاصة، يبقى نهر الليطاني رمزًا لوحدة الجغرافيا اللبنانية، من البقاع إلى الجنوب، ومن الينابيع إلى البحر، حيث تختلط المياه بالأرض والقرى بالتاريخ، ليؤكّد أن حماية النهر تعني حماية الأرض، وأن الحفاظ على مجراه هو حفاظ على سيادة الوطن ومساحة حياته الممتدة من المنبع إلى المصب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى