تعليم تحت القصف: “الرقمنة” في لبنان.. طوق نجاة أم حبل مشنقة؟

لم يعد التعليم في لبنان ينقطع عند أبواب المدارس، بل عند مفاتيح الكهرباء، وإشارات الإنترنت، وصفّارات الخوف.
في بلد يعيش على إيقاع الحرب، لم تعد الفجوة التعليمية الرقمية مجرّد خلل في البنية التحتية، إذ تحوّلت إلى خط تماس جديد غير مرئي يفصل بين من يستطيع التعلّم ومن يُترك خارجه.
في ظل التحوّلات المتسارعة التي فرضتها الحرب وتراجع الاقتصاد، وانهيار البنى التحتية، وجد قطاع التعليم نفسه أمام واقع جديد. لم يعد التعليم الرقمي مجرد خيار أو ترف بل أصبح ضرورة حتمية ، فرضتها الظروف بنفس قوة الدفع التي توفرها التكنولوجيا. ومع ذلك يتكشف خلل عميق بين الطموح والإمكانيات: رقمنة غير مكتملة تُنتج فجوة بدلاً من سدّها، وتستمر التطبيقات الرقمية في عكس الفوارق الكبيرة بين المناطق اللبنانية، وبين المدارس الرسمية والخاصة، وبين الطلاب أنفسهم.
من حيث المبدأ، تَعِد الرقمنة بفرص أوسع: تحسين مهارات التعلّم، إتاحة مصادر معرفية غنية، وتعزيز الاستقلالية لدى الطلاب. لكن التجربة اليومية تكشف واقعًا مختلفًا، حيث تتحول هذه الفرصة أحيانًا إلى عبء جديد يكرّس عدم المساواة بدلًا من تقليصها.
تقول شذا ، طالبة في مدرسة رسمية في إحدى القرى البقاعية:
“يتوقف يومي الدراسي على مزاج الكهرباء والإنترنت. أحيانًا تنقطع الحصة فجأة وأحيانًا لا أتمكن من الدخول أصلًا بسبب ضعف الإشارة… وفي الخارج، تحلّق الطائرات.”
في غرف النزوح المكتظة أو في بيوت تحت القصف، لم يعد صوت المعلم يُسمع داخل الصفوف، بل يخرج من شاشة هاتف متصدّع، يتقاسمه ثلاثة إخوة. هذا هو “التحول الرقمي” في لبنان: ليس انتقالًا سلسًا نحو الحداثة، بل صرخة استغاثة في وجه واقع يزداد قسوة.
تشرح شذا أن بعض زملائها يعتمدون على هاتف واحد في المنزل، بينما يضطر آخرون للذهاب إلى المقاهي بحثًا عن اتصال بالإنترنت. وبين انقطاع الشبكة، وتأخر تحميل الدروس، وصعوبة استخدام المنصات التعليمية، تتحول العملية التعليمية إلى “معركة” يومية أكثر منها تجربة معرفية.
لكن التحديات لا تقف عند الطلاب. تقول ليا، معلمة لغة عربية في مدرسة رسمية:
“طُلب منا فجأة إعداد محتوى رقمي، وإدارة صفوف تفاعلية، وتصميم أنشطة عبر الإنترنت… لكننا لم نتلقَّ تدريبًا كافيًا، ولا نملك دائمًا الأدوات المناسبة.”
وتضيف أن التدريب السابق كان نظريًا في معظمه، ولم يُصمَّم ليتلاءم مع واقع يفتقر إلى استقرار الكهرباء والإنترنت. “اليوم، نحتاج إلى تدريب عملي مستمر يساعدنا على التكيّف، لا مجرد إرشادات عامة.”
في المقابل، يرى الباحث التربوي الدكتور كريم أن المشكلة أعمق من نقص الأجهزة أو ضعف الإنترنت. فبرأيه:
“الرقمنة ليست مجرد استخدام جهاز لوحي أو منصة إلكترونية، بل هي منظومة متكاملة تشمل تحديث المناهج، تطوير أساليب التقييم، تدريب المعلمين، وتأمين بنية تحتية مستدامة.”
ويضيف أن لبنان تعامل مع الرقمنة كحل سريع خلال الأزمات، خصوصًا خلال جائحة كورونا، لكنه لم ينجح في دمجها فعليًا ضمن النظام التعليمي. ويقترح جملة من الحلول: وضع سياسة وطنية واضحة، توحيد المعايير بين المدارس، إنشاء مركز دعم تقني مركزي، وتعزيز الشراكات مع القطاع الخاص لتأمين أجهزة منخفضة الكلفة وتدريب متخصص للمعلمين.
تكشف هذه الشهادات عن واقع مزدوج: خطاب رسمي يتحدث عن التطوير والتحديث، مقابل يوميات يعيشها الطلاب والمعلمون تحت ضغط الانقطاع المستمر للكهرباء، وضعف الإنترنت، وغياب الموارد. في هذا التناقض، تتآكل جودة التعليم، وتتسع الفجوة بين من يملك الإمكانيات ومن يفتقدها.
ورغم كل ذلك، لا يمكن تجاهل الإمكانات التي تحملها الرقمنة. فقد كتبت إحدى الطالبات في بيروت:
“لأول مرة شعرت أن التعلّم يمكن أن يكون ممتعًا، عندما استخدمنا منصات تفاعلية أتاحت لنا النقاش والعمل الجماعي.”
ويؤكد باحثون أن التعليم الرقمي، عندما يُطبَّق بشكل عادل، يساهم في تنمية مهارات البحث والتحليل، ويسرّع وصول الطلاب إلى المعرفة. المشكلة ليست في الرقمنة بحد ذاتها، بل في غياب العدالة في توزيعها، وضعف البيئة التي تحتضنها.
في النهاية، يبرز السؤال المركزي بوضوح: هل يشكّل التعليم الرقمي فرصة لإنقاذ التعليم في لبنان، أم تحديًا إضافيًا يفاقم أزماته؟
الإجابة ليست بسيطة. فالرقمنة تحمل إمكانات هائلة، لكنها في صيغتها الحالية تتحول في كثير من الأحيان إلى عبء يومي يعيق العملية التعليمية بدل أن يدعمها. وما سيحسم هذا المسار هو قدرة لبنان على معالجة الفجوة الرقمية، وتوحيد السياسات، وتوفير الموارد، وتدريب المعلمين، وبناء بنية تحتية تضمن حق كل طالب في التعلّم بكرامة، أينما كان.
عندها فقط، يمكن للتعليم الرقمي أن يتحول من استجابة اضطرارية للأزمات، إلى خيار استراتيجي لمستقبل أكثر عدالة واستقرارًا. أما اليوم، فهو لا يزال مرآة تعكس التفاوتات العميقة التي يعاني منها البلد، لا أداة لتجاوزها.
صفا الزعبي



