ما بعد مادورو وإيران…

بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد
ليست الحروب التي نشهدها اليوم حروبًا متفرقة كما تبدو على الشاشات، بل تبدو في قراءة أعمق كأنها أجزاء من لوحة استراتيجية أكبر، لوحة تتجاوز حدود الدول والأحداث وتذهب إلى عمق الصراع بين القوى الكبرى في العالم. فالمشهد الدولي لم يعد يُقرأ من زاوية دولة واحدة أو ساحة واحدة، بل من خلال شبكة مترابطة من المصالح والطاقة والاقتصاد والتكنولوجيا.
الكثيرون ينظرون إلى الشرق الأوسط ويركّزون على إيران وإسرائيل، أو إلى أميركا اللاتينية وما يجري في فنزويلا، أو إلى أوروبا وما تعيشه من توترات، لكن ما يجري في الواقع يتجاوز هذه الجغرافيا بكثير. فهذه الساحات، على اختلافها، تبدو في سياق التحليل الاستراتيجي أجزاء من مشهد عالمي واحد عنوانه إعادة رسم ميزان القوة في القرن الحادي والعشرين.
بعد مادورو، وبعد إيران، تتضح صورة مختلفة: المعركة ليست فقط مع أنظمة أو حكومات، بل مع خطوط نفوذ وطرق طاقة وممرات تجارة. فالعالم اليوم لا يُدار فقط بالجيوش، بل بمصادر الطاقة وسلاسل الإمداد والاقتصاد العالمي. وفي قلب هذا المشهد تقف الصين كقوة صاعدة فرضت نفسها خلال عقود قليلة لاعبًا اقتصاديًا أساسيًا في العالم، وأصبحت تعتمد بشكل كبير على استيراد الطاقة لضمان استمرار نموها الصناعي.
فالصين تستورد جزءًا مهمًا من احتياجاتها النفطية من مناطق متعددة، وقد كانت فنزويلا تصدّر إليها ما يقارب 800 ألف برميل نفط يوميًا، بينما كانت إيران تزوّدها بحوالي 1.5 مليون برميل يوميًا في فترات الاستقرار النسبي. هذه الأرقام لا تُقرأ كمعطيات اقتصادية فقط، بل كمؤشرات على حساسية أمن الطاقة في الاقتصاد العالمي، لأن أي اضطراب في هذه الدول أو في طرق التصدير ينعكس مباشرة على حركة الصناعة والتجارة الدولية.
ومن هنا يصبح مفهوم الصراع أكثر تعقيدًا. فالتاريخ يخبرنا أن صعود قوة جديدة يخلق دائمًا توترًا مع القوة المهيمنة. عندما صعدت ألمانيا اقتربت من بريطانيا فاندلعت الحرب العالمية الأولى، وعندما صعدت اليابان اصطدمت بالولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية، وعندما صعد الاتحاد السوفيتي دخل العالم في الحرب الباردة. واليوم، مع صعود الصين، يعيش العالم مرحلة مشابهة ولكن بأدوات اقتصادية وتكنولوجية أكثر من كونها عسكرية مباشرة.
وفي هذا السياق برز مشروع “طريق الحرير الحديث”، الذي حاولت الصين من خلاله بناء شبكة تجارة تمتد من آسيا إلى أوروبا عبر موانئ وسكك حديد وممرات برية وبحرية، بهدف تأمين تدفق السلع والطاقة والأسواق. هذا المشروع لم يكن مجرد مشروع اقتصادي، بل كان محاولة لإعادة تشكيل خريطة التجارة العالمية بطريقة تمنح الصين دورًا مركزيًا في الاقتصاد الدولي.
في المقابل، تعمل الولايات المتحدة على الحفاظ على موقعها كقوة أولى من خلال تحالفاتها العسكرية ونفوذها المالي وسيطرتها على النظام الاقتصادي العالمي. فالمعادلة هنا ليست صدامًا مباشرًا، بل توازن قوى معقد يقوم على الضغط الاقتصادي والعسكري والسياسي، وعلى إدارة مناطق النفوذ بدل المواجهة الشاملة.
وتظهر تايوان في قلب هذا الصراع بوصفها أحد أهم مفاصل القرن الحادي والعشرين، لأنها تمثل مركز صناعة الشرائح الإلكترونية المتطورة التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي الحديث، من التكنولوجيا المدنية إلى الصناعات العسكرية. ولذلك فإن التوتر حولها لا يُقرأ فقط كخلاف سياسي، بل كصراع على مستقبل التكنولوجيا والاقتصاد العالمي.
ما بعد مادورو وإيران ليس مجرد تغيير في مواقع النفوذ، بل إشارة إلى مرحلة جديدة في العلاقات الدولية، مرحلة تتحول فيها الأزمات الإقليمية إلى عناصر في صراع عالمي أكبر، وتصبح الطاقة والتجارة والتكنولوجيا أدوات رئيسية في إعادة رسم ميزان القوى.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبقى السؤال مفتوحًا: هل العالم يتجه نحو مواجهة كبرى بين القوى العظمى، أم نحو توازن جديد يعيد توزيع المصالح ويمنع الانفجار الكبير؟
الإجابة لم تتضح بعد، لكن المؤكد أن ما يجري اليوم ليس أحداثًا منفصلة، بل ملامح نظام عالمي جديد يتشكل بهدوء، خطوة بعد خطوة.


