مقالات

أحمد قعبور.. حمل القضية وتقلباتها بتقلباته ورحل!

بقلم// جهاد أيوب

حينما حمل المطرب والملحن أحمد قعبور القضية الوطنية، وراية الدفاع عن حقيقة مجابهة العدو مستنداً على نَفَس المقاومة، انتشر من خلال أغانيه الثورية، وثبت بوجوده اسلوباً جديداً في فن الغناء الملتزم، وكان نداً قوياً لجيله من المغنين في تلك الثورة المرحلة القضية، ولا نجامل إن قلنا أن أغنيته “اناديكم” أصبحت نشيداً لكل المقاومين والمناضلين في كل مكان، ومن بعدها “الليطاني”.. صحيح تأثر بتجربة المصري الشيخ إمام، لكنه يختلف كلياً في مضامين الشعر واللحن والأداء، رغم إدعاء نمطية الثورة!
أما أعماله الفرحة اختزلها بمناسبة العيد من خلال “علو البيارق”، وإلى اليوم جميع الأجيال ترددها، وأيضاً هديته إلى مدينته “بيروت” ومدينة “صيدا” كانتا تحفة جميلة… وبعد أن تخلى عن تلك المرحلة من ماضيه بصورة سلبية ضمن المشاريع الجارفة، والتحاقة بـ”لعيونك”، و”الشغل ماشي والبلد ماشي” كحالة فنية شعبية مسيسة لمرحلة قناة “المستقبل” ومشاريع الشهيد رفيق الحريري لم يُحاسب فنياً، وظلت اغنياته والحانه باقية في النفوس على عكس ما وقع فيه زملاء تلك الدرب، ففخ الحياة كانت حاسمة في وقع الإختيار، واختياره عَكَس مساره الجديد في زواريب البلد وبيروت إلى لحظة رحيله!

على الصعيد الفني والإنساني، أحمد قعبور من الفنانين المثقفين، له بصمته الخاصة، لم ينتشر عربياً لأسباب كثيرة لا يتسع المجال لذكرها هنا، ولكنه حاضراً في تاريخ الأغنية العربية الثائرة إن اردنا البحث..مهذب اللسان، مبادر في الاحترام، وعفوي التصرف، وإن أصيب بالعصبية والتعصيب ليس جارحاً، وحتى لو اختلفت معه عقائدياً لا تخاصمه، ولا تأخذ موقفاً منه!

في ألحانه هو المشبع بجمله الشرقية، ألحانه صعبة، ولا يشبه غيره، يقترب من الناس، نهم جملته سريعة التأثير والتأثر، تحفظها بسرعة، وتعجب بها، وترددها فوراً.

يختار قصائد اغنياته من خلال الحالة الاجتماعية وظروف البلد والفكر اليساري الشعبي، فتجده بارعاً في الفصحى والشعبي معاً، وأصعب أغانيه ما لحنه للشاعر الكبير محمد علي شمس الدين لقصيدة “إذا عبروا”، قصيدة صعبة لا تلحن، لكن أحمد اعتبرها مغامرة، وتفوق في تلحينها، ورسم صورها الشعرية داخل مفردات نغماته بنجاح يحسد عليه.

أداء أحمد قعبور ” أقول الأداء ولم أقل الغناء”، أداء أحمد هو السهل الممتنع، يرسم في صوته الكلمة بذكاء وبعفوية، ينطق الكلمة كما لو يغرد بحروفها، ويوصل المعاني المتزاوجة مع النغم اللحن الجملة الموسيقية بسلاسة لتنتشر رغم صعوبتها الشرقية!

ذات أمسية طلب مني رأياً في أعماله، فقلت له: “بصراحة جملتك الموسيقية تذكرني بالملحن المصري الكبير رياض السنباطي، مع اختلاف الزمان والأسلوب، هو جملته صعبة وطويلة إبنة عصرها، وأنت جملتك صعبة وقصيرة وتشبهنا، ولا نشعر بغربة معها وعنها”!

كان فرحاً لهذا الوصف، وأخذ يفند تجربته بتواضع وثقة، والأهم كان يحب ما قدمه في الفن!

في الصداقة، ورغم الشجارات الدائمة في المرحلة الاخيرة، يحافظ عليك، يا يعمل على الخصام والقطيعة، يبادر بالترحاب كلما رأك، وإن اتصلت به بعد انقطاع بسبب ظروف الحياة، يشعرك بعدم غيابك عنه، ولا يعاتبك.. واستمرت الصداقة منذ “حبات الرمان”!

كنا مجموعة تبحث عن وطن خارج الحرب القذرة، وذات طفولة بداية مشوار الشباب التقيناه، طلب منا أن نكون الكورس لمشروعه الغنائي “حبات الرمان”، اقنعنا رغم رفضي لتلك التجربة بسبب اعتقادي أن صوتي من الأصوات المخيفة!

تبسم، وضحك، وقال ببساطة:”جربوا، وإذا ما عجبكم، لا تكملوا”!

جربنا، وكانت النتيجة ما استمعتوا واستمتعتوا بعمل حتى اليوم الأجمل، وهو ذاكرة لا توصف…

كنت أصغر المجموعة، وشقيقي عماد يمتلك صوتاً رائعاً اعتبرها بداية سليمة رغم صغر سنه وعشقه لفن الغناء..ومنذ تلك المرحلة بدأت اتواصل مع أحمد قعبور متطفلاً على شخصية مشهورة، وهو بسعة تواضعه بادلني بمحبة واحترام..وكبرنا، وحافظنا على الصداقة والاحترام.
اليوم غابت روح أحمد قعبور عن جسده، اسلمها إلى خالقها، الخبر كان صحيحاً هذه المرة، بعد أن نشر خبر موته عشرات المرات من قبل أصحاب النفوس المريضة!
أحمد قعبور يرحل عنا في زحمة أوجاعنا، وفي مرحلة عربية حرجة، وحالة فنية متردية، وبصمة إنسانية جاحدة، ووطن يقتل يومياً من أولاده وأبناء العم والخال والعدو!
يرحل عنا أحمد قعبور في لحظة مشبعة بأعماله الغنائية القديمة، والتي رسمت خط البيان القيمة لتجربته، ولكن الفنان هو كل تجاربه، وليس تجربة بداياته فقط حتى لو كانت الانضج كما حال الفقيد الفنان أحمد قعبور…..
#####

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى