من السيطرة إلى الصفقة: كيف تغيّرت نهاية الحروب في العالم الحديث؟

بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد
في أواخر القرن التاسع عشر، وضع المنظّر العسكري الأميركي الاميرال ألفريد ثاير ماهان والذي لقب فيما بعد بأمير البحار ، قاعدة أساسية في الفكر الاستراتيجي حين اعتبر أن السيطرة على البحار هي المفتاح الحقيقي للهيمنة في الحروب. فقد رأى أن من يملك طرق التجارة وخطوط الإمداد البحرية يستطيع أن يخنق خصومه ويجبرهم في النهاية على الخضوع لشروطه. يومها، كان ميزان القوة واضحًا: منتصر يفرض اتفاقًا، وخاسر يوقّع عليه.
لكن العالم تغيّر، وتغيّرت معه طبيعة الحروب.
لم تعد السيطرة مقتصرة على البحر، بل أصبحت منظومة متكاملة تشمل الجو والبر والتكنولوجيا والاقتصاد والإعلام. من يسيطر على السماء، ويحمي ممراته البحرية، ويثبّت وجوده على الأرض، ويمتلك تفوقًا تكنولوجيًا ومعلوماتيًا، يبدو أنه يملك مفاتيح النصر. ومع ذلك، فإن التجارب الحديثة أثبتت أن هذا التفوق لا يؤدي دائمًا إلى حسمٍ سريع، بل غالبًا ما يفتح الباب أمام حروب طويلة ومعقّدة تتحوّل إلى استنزاف متبادل.
في هذا النوع من الحروب، يتقارب حجم الأضرار بين الأطراف المتنازعة، وتصبح الكلفة الاقتصادية والبشرية والسياسية مرتفعة على الجميع. لا أحد يستطيع السيطرة الكاملة على الآخر، ولا أحد يملك القدرة على فرض إرادته بشكل نهائي. وهنا تبدأ الحرب بالخروج من الميدان والدخول إلى طاولة المصالح، حيث يصبح السؤال ليس من ربح المعركة، بل كيف يمكن إيقاف النزيف.
في هذه اللحظة تحديدًا يظهر الفرق بين الاتفاق والصفقة.
الاتفاق يولد من انتصار واضح. هو نتيجة ميزان قوى مختل، يفرض فيه الرابح شروطه على الخاسر، فيُعاد رسم الواقع السياسي والعسكري وفق إرادة المنتصر، ويُعلن انتهاء الحرب وبدء مرحلة جديدة من الاستقرار النسبي.
أما الصفقة، فهي وليدة العجز عن الحسم. عندما يتعب الجميع، وعندما يصبح استمرار الحرب أكثر كلفة من التفاهم، يجلس الأطراف إلى الطاولة لا لتوقيع انتصار، بل لتوزيع النفوذ وتقاسم الأدوار وترتيب المصالح. الصفقة لا تصنع سلامًا حقيقيًا، بل تخلق توازنًا هشًا يقوم على إدارة الصراع بدل إنهائه، وعلى تلذيم المناطق وتقاسم التأثير بدل تثبيت سيادة الدول.
وهنا يتضح التحول الكبير في مفهوم الحرب الحديثة: لم تعد تُحسم فقط بالقوة العسكرية، بل بإدارة الزمن والقدرة على الصمود. فالقوة قد تمنح التفوق، لكن الزمن هو الذي يفرض الصفقة أو الاتفاق. ومن يصرخ أولًا لا يكون بالضرورة مهزومًا عسكريًا، بل منهكًا سياسيًا واقتصاديًا ونفسيًا.لذلك، فإن نهاية الحروب اليوم لم تعد مرتبطة بمن يربح المعركة الأولى، بل بمن يستطيع أن يصمد حتى اللحظة التي يُعاد فيها رسم التوازنات. فقد ينتهي الصراع باتفاقٍ يفرضه المنتصر، وقد ينتهي بصفقةٍ يتقاسم فيها المتنازعون النفوذ، لكن في الحالتين يبقى مصير الدول والشعوب رهينة ميزان القوة والصبر معًا.
وهكذا، بين رؤية ماهان التي ربطت النصر بالسيطرة، وواقع الحروب الحديثة التي تنتهي بالصفقات، يتبيّن أن العالم انتقل من منطق الهيمنة الحاسمة إلى منطق التوازن القلق… حيث لا يُكتب السلام دائمًا بقلم المنتصر، بل غالبًا بتوقيع المتعبين.


