اخبار لبنانبة

المفاوضات تحت النار…/ بقلم د جوزف س.عبيد – عميد ركن متقاعد

منذ فجر التاريخ، لم تحمل الحروب للبشر إلا المآسي. المنتصر غالبًا ما يدفع ثمن نصره، والخاسر يفقد كل شيء. السبب الجذري واحد: الطمع والجشع، السيطرة على الاقتصاد، النفط والماء. هذه الرغبات تتحول تحت ستار المصالح إلى نار لا تنطفئ، لتستمر دائرة الألم والمعاناة بلا نهاية.

حين يصل النزاع إلى توازن القوى، لا تبدأ المفاوضات فورًا. هناك سباق دقيق بين الأطراف: كل طرف يسعى لتسجيل “نقاط قوة” قبل لحظة الجلوس على الطاولة، قبل أن تهدأ المدافع، قبل أن تتوقف الطائرات. هذا السباق النفسي والعسكري لا يعرف الرحمة. الجروح، الدمار، والدماء تُترك خلفه، والشعوب تدفع الثمن بصمت.
القائد الاستراتيجي والقائد الميداني.

القائد الاستراتيجي يجلس في غرفة مظلمة، أمام شاشات وخرائط، يوزع الموارد، يخطط كل خطوة مسبقًا، يوزع المهام، ويضع أهدافًا بعيدة المدى. عقله لوحة شطرنج ضخمة، يرى كل ضربة كفرصة لتثبيت القوة على الطاولة المقبلة.

القائد الميداني يعيش على الأرض، يرى الجنود يسقطون، يسمع صراخ المدنيين، يشعر بثقل المسؤولية على كتفيه. عليه أن يوازن بين تنفيذ الأوامر وحماية من يقودهم، بين الهجوم والدفاع، بين نجاح اللحظة وبقاء البشر على قيد الحياة.
كلا القائدين ضروريان: الاستراتيجي يخطط، والميداني ينفذ، وكل نجاح أو فشل يسجل نقاطًا قبل المفاوضات. وفي هذه المعادلة القاسية، تعاني الشعوب: المدن تنهار، الأبرياء يموتون، والآلام تتراكم يومًا بعد يوم.

المفاوضات تحت النار ليست مجرد اجتماع دبلوماسي، بل رقصة معقدة بين التكتيك، القوة، والصبر. القائد الاستراتيجي يحلم بالسلام على الورق، والميداني يصنع الوقائع على الأرض. الشعوب، بين صواريخ ودمار، تتحمل عبء المعركة بأكملها.

فهم هذا التوازن بين العقل الاستراتيجي ووقع الميدان يتيح رؤية الحرب كما هي: مأساة بشرية، لعبة مصالح، درس في الطمع والجشع، وتذكير دائم بقيمة السلام، وأهمية القرار في اللحظة المناسبة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى