العلاقة بين الدولة والسلاح.. الى أين؟!/ علي قصاب

من المؤكد أن لبنان يقف اليوم أمام مفترق حساس وخطير جداً، إما إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والسلاح ضمن إطار وطني واضح، أو استمرار العيش في المنطقة الرمادية… حيث لا حرب كاملة ولا سلام كامل. ونحن نعلم ان المنطقة الرمادية في الشرق الأوسط هي في الأغلب أخطر الأماكن.
في لبنان، لا تُطرح مسألة السلاح كقضية عسكرية فقط، بل كقضية سيادية بامتياز. فالأزمة بين الدولة اللبنانية وحزب الله ليست جديدة، لكنها عادت إلى الواجهة بقوة مع التصعيد العسكري الأخير على الجبهة الجنوبية، حيث تداخلت الجبهات السياسية والعسكرية حتى بات من الصعب الفصل بين قرار الدولة وقرار الميدان.
المعادلة القائمة اليوم واضحة بقدر ما هي معقدة، دولة تمتلك الشرعية الدولية لكنها ضعيفة القدرة، وحزب يمتلك القدرة العسكرية لكنه خارج البنية الرسمية للقرار السيادي. بين هذين المستويين، يعيش لبنان حالة فريدة في النظام الدولي: دولة بسلطتين، وردع بقرارين، وحرب قد تندلع من مساحة رمادية بين الاثنين.
من الناحية الدستورية، لا نقاش في أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون بيد الدولة اللبنانية. لكن الواقع الجيوسياسي فرض مسارًا مختلفًا منذ سنوات. فالحزب، الذي نشأ في سياق مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، تحول تدريجيًا إلى قوة عسكرية إقليمية تمتلك ترسانة صاروخية ضخمة وخبرة قتالية تراكمت في ساحات متعددة.
هذا التحول خلق معادلة حساسة، إذ ان الدولة لا تستطيع استيعاب هذه القوة بالكامل، ولا تستطيع في الوقت نفسه تجاوزها أو تجاهلها. والنتيجة هي حالة توازن هش، حيث تستمر المؤسسات الرسمية في إدارة السياسة الخارجية، بينما يبقى السلاح عاملاً حاسمًا في تحديد قواعد الاشتباك مع إسرائيل.
على المستوى العسكري، تدرك إسرائيل أن المواجهة مع الحزب لم تعد تشبه الحروب السابقة. فترسانة الصواريخ الدقيقة، وشبكة الأنفاق، والقدرات الاستخبارية المتنامية، كلها عناصر جعلت أي حرب شاملة مغامرة مكلفة للغاية. لكن ما تخشاه ليس فقط حجم القوة العسكرية، بل طبيعة المعادلة التي نشأت على الحدود اللبنانية. هذه المعادلة تقوم على فكرة بسيطة، هي القدرة على إيلام العمق الإسرائيلي بشكل مستمر. وفي الاستراتيجية العسكرية، القدرة على ضرب العمق تعني نقل الحرب من الأطراف إلى قلب الدولة.
لهذا السبب، تركز اسرائيل اليوم على هدف واحد واضح هو منع تراكم القدرات النوعية للحزب، خصوصًا الصواريخ الدقيقة وأنظمة الدفاع الجوي. فهذه القدرات، إذا اكتملت، قد تغير ميزان الردع في المنطقة بشكل جذري.
المفارقة هنا تكمن في أن الطرفين يدركان خطورة الحرب الشاملة. فإسرائيل تعلم أن جبهتها الداخلية ستكون في مرمى آلاف الصواريخ يوميًا، والحزب يعرف أن لبنان، بواقعه الاقتصادي والسياسي الهش، لن يحتمل حربًا مدمرة جديدة.
لذلك يعيش الطرفان في ما يمكن تسميته “توازن الردع المتوتر” من اشتباكات محدودة، رسائل بالنار، وخطوط حمراء غير مكتوبة. إنها لعبة حافة الهاوية، حيث يقترب الجميع من الحرب الكبرى لكنهم يتوقفون قبل السقوط.
وسط هذه المعادلة المعقدة القائمة، يبقى السؤال اللبناني الأكبر داخليًا: هل يستطيع لبنان بناء دولة قادرة على احتكار قرار الحرب والسلم؟ أم أن الواقع الإقليمي سيبقي هذا القرار موزعًا بين الدولة وقوى الأمر الواقع؟…
طبعاً، الإجابة ليست سهلة، لأن المسألة لم تعد لبنانية فقط. فالسلاح مرتبط بتوازنات إقليمية، والصراع مع إسرائيل جزء من صراع أوسع في الشرق الأوسط. وهذا يعني أن أي حل نهائي لن يكون محليًا بالكامل، بل نتيجة تحولات أكبر في المنطقة.



