مقالات

وداعًا مايز الأدهمي..

بقلم// د. مصطفى حلوة

كان مايز ابنَ سنة واحدة، عندما أطلق والده المرحوم محمود الأدهمي جريدة الانشاء، وهي الصحيفة السياسيّة الطرابلسيّة الوحيدة، التي رُخّص لها بالصدور يوميًّا، والتي مضى تسعة وسبعون عامًا على إصدار العدد الاوّل منها (28 تشرين أوّل 1947).
وإذا كانت جريدة “طرابلس الشام”، التي أصدرها محمد كامل البحيري، سنة 1893، ورأسَ تحريرها العلّامة الشيخ حسين الجسر، قد شكّلت باكورة الصحافة الطرابلسيّة وعلامتَها الفارقة، فإنّ “الانشاء” شكّلت العلامة الفارقة الثانية، في تاريخ مدينتنا، على مدى ثمانية عقود، ولتغدُوَ سجّلًا أمينًا، لكلّ ما اعتمل في هذه المدينة من مجريات وأحداث ووجوه، منذ النصف الثاني، من أربعينيّات القرن العشرين، وحتى يومنا هذا.
لم يكن مايز ليعلم أنّ عبء “الانشاء”، سيقع عليه، بعد سنوات ستّ، من تخرّجه صحافيًّا من جامعة القاهرة، حين ارتحل الوالد المؤسّس، في العام 1979، وإذا بمايز، يرعى هذا الإرث الصحافي الطرابلسي، سحابة سبع وأربعين سنة، متجاوزًا المدّة، التي أمضاها محمود الأدهمي (إثنتان وثلاثون سنة)، في مواكبة “الانشاء”.
هذه السنوات السبع والأربعون كانت من أشدّ السنين دراماتيكيّة، وهولًا، في تاريخ لبنان الحديث، إذْ حفلت بأحداث جِسام، لعلّ أبرزها الحرب الأهليّة، التي مازالت قائمة، عبر عدّة أشكال وصِيَغ. وكان لمايز أن يُواجه التحدّي، بعزم وتصميم كبيرين، فأصدر “الانشاء”، بوتيرة يوميّة، بمساعدة نخبة شابّة من كُتّاب المدينة ومثقّفيها، تطوّعت، لوجه الفيحاء، كنتُ في عِدادهم، وطفقتْ “الانشاء” تصدر يوميًّا بانتظام، خلال فترة طويلة، وربح مايز التحدّي! بيد أنّ عبء “الانشاء” عاد ليُثقلُ على مايز وحيدًا، فراح يُصدرها، على مدى السنوات الماضية، مرّة كل أسبوع، ثم كل أسبوعين، ومن ثم شهريًّا، إلى حين طغيان الصحافة الالكترونية، فارتحل من الورق إلى الاصدار الرقمي، مطلع كلّ شهر، مع احتجاب، بين الفينة والفينة، لأسباب ماليّة وأوضاع صحّية. ومن أسفٍ أن “المقتدرين” الطرابلسيين لم يرعوا هذا الارث الطرابلسي، ولو بحدود دُنيا، وتركوا مايز وإنشاءه لقدرهما، فاعتلّت صحّته، واعتلّت الصحيفة باعتلاله!
علمًا أنّ مايز، قبل الثورة الالكترونية، رفض بيع “الانشاء” بمبلغ طائل، وتمسّك بها، بل قَبضَ عليها كما يقَبض المؤمن على جمر دينه!
لن أرثيك، يا صديقي مايز، فأنت ساكنٌ منّا القلب، وباقٍ في وجداننا، وإن غادرتنا بالجسد! ..كيف أرثيك، وأنت الطاعن حضورًا في زمن صداقتنا! لن أنساك، ما حييت، فقد شرّعتَ لي صدر صحيفتك، فكانت من لدُني مئات المقالات والدراسات والأبحاث، شأني شأن العديد من كُتّاب مدينتنا، كما وضعتَ بتصرّفي أرشيف إنشائك، لأنهل منه، بما يرفد أبحاثي، ولا سيما ما يتعلّق بطرابلس ورجالاتها.
ليس لي، صديقي مايز، إلّا أن أستمطر عليك الرحمة، ومواساة عائلتك، زوجتك العزيزة سليمة والأبناء والانسباء ومحبيك، فلهم الصبر والسلوان.
وأختمُ: يا خسارةَ طرابلس برحيلك، وقد ارتحلتْ معك إحدى الذاكرات الحيّة لمدينتنا الفيحاء.. إرتحلتَ، وأنت تختزن الكثير الكثير من أسرار سياسيّينا و”كبار” القوم، ولم تبُح إلا بالنزر اليسير منها!
ويبقى السؤال: هل يُفرّط أهل المدينة بِ “الانشاء”، وأرشيفها، الذي يحوي اَلاف الصُور، كما فرّطوا بتراثهم، وبالكثير من معالم طرابلس التاريخيّة، وبما تمتلك هذه المدينة المظلومةمن مرافق، ومن خاصّيات لا تتمتع بها سائر المدن اللبنانيّة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى