الانتشار اللبناني

على اعتاب الرجاء المسؤول

بقلم المدير العام للأمن العام اللواء حسن شقير

طوينا صفحة عام كان من أثقل الأعوام على اللبنانيين دولة ومجتمعا، وفتحنا باب عام جديد فيما التحديات البنيوية والضغوط الأمنية والسياسية والاقتصادية لا تزال ماثلة أمامنا، بوجوه أكثر تعقيدا وتشابكا. غير أن التجارب الكبرى التي صقلت وعي هذا الوطن عبر تاريخه، أثبتت أن حماية لبنان لا تتحقق بردود الفعل ولا بالخطابات الانفعالية، بل بالعمل التراكمي الهادئ، وبحسن إدارة المخاطر، وبالقدرة على تحويل الأزمات إلى محطات مراجعة وتصحيح والقلق المشروع إلى طاقة إنتاج، والخسائر إلى دافع إضافي لتعزيز مناعة الدولة. من هنا، لم نودع عاما ونستقبل آخر على قاعدة الأمنيات، بل على قاعدة المسؤولية المستمرة، لأن الأمن هو فعل دولة وإرادة وطن، ومسار متواصل لا ينقطع بتبدل التواريخ.

لقد حمل العام المنصرم محطات مفصلية ومضيئة في تاريخ لبنان الحديث، أعادت تثبيت فكرة الدولة في زمن كان فيه الشك مشروعا والقلق مبررا. كانت بدايته خيرا على لبنان بانتخاب رئيس الجمهورية العماد جوزف عون، في لحظة مفصلية تلت حربا إسرائيلية مدمرة أصابت البشر والحجر وأثقلت كاهل الناس، وهددت ما تبقى من مقومات الصمود. فكان انتخابه مثابة استعادة لزمام القرار الوطني، إذ أمسك بأزمة الحكم في أصعب الظروف، وأدار المرحلة، ولم يزل، بحكمة واتزان، معيدا توجيه البوصلة نحو المصلحة الوطنية العليا، ومؤكدا أن الدولة، مهما ضعفت، قادرة على النهوض متى توافرت الإرادة والقيادة. وقد ثبت موقع لبنان في محيطه العربي، وأعاد ترميم جسوره مع المجتمع الدولي، على قاعدة الاحترام المتبادل وحماية السيادة وعدم الارتهان.

ولم يطل الوقت حتى تشكلت حكومة جديدة برئاسة دولة الرئيس نواف سلام، فجاءت في لحظة تعطش فيها اللبنانيون إلى انتظام عمل المؤسسات، وإلى سلطة تنفيذية قادرة على الإنتاج المستدام. وقد حققت هذه الحكومة إنجازات نوعية ومهمة، سواء على صعيد إعادة إحياء الإدارات والمؤسسات العامة ووضعها على سكة الانتظام، أو على صعيد القرارات الجريئة التي اتخذتها لدفع مسار تعزيز السيادة الوطنية وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، بعيدا من منطق الاستثناءات أو ازدواجية القرار. كما أعادت الى الدولة اللبنانية حضورها في الخارج، فاستعاد لبنان صدقيته، وبدأ يستعيد مكانته التي تليق بتاريخه ودوره ورسالة العيش المشترك التي يحملها.

وعند خواتيم العام المنصرم، حملت الأيام علامة النور الكبرى التي شكلت محطة وجدانية ووطنية استثنائية، تمثلت بزيارة قداسة الحبر الأعظم البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان، في زيارة تاريخية جاءت تحت شعار “طوبى لفاعلي السلام”. هذه الزيارة كانت رسالة عميقة المعاني، أعادت الى اللبنانيين الثقة بأن وطنهم حاضر في وجدان العالم، وأن معاناتهم ليست منسية. لقد مسحت هذه الزيارة، بما تحمله من رمزية روحية وإنسانية، عن قلوب اللبنانيين شيئا من الخوف على الحاضر والمستقبل، وأعادت تشكيل مظلة أمان معنوية ودولية، انطلاقا من الموقع الاعتباري الذي يمثله رأس الكنيسة الكاثوليكية في العالم، والذي لا يمكن تجاهله أو عدم الإصغاء إلى دعوته ونصائحه. وكانت رسالة البابا تأكيدا على أن السلام خيار، وأن لبنان، برسالته وتعدديته، يستحق أن يكون مساحة لقاء لا ساحة صراع.

استقبلنا عام 2026 بإرادة وطنية جامعة تنبع من وعي متزايد بوجوب توحيد الموقف حول المصلحة اللبنانية العليا، بعيدا من الحسابات الضيقة أو الرهانات الخاسرة. لقد خطا لبنان خطوة شجاعة ومسؤولة في الدخول في مسار التفاوض لتطبيق القرار الدولي 1701 وآليته التنفيذية المتمثلة باتفاقية الأعمال العدائية، بما يفتح الباب أمام مسار متكامل يهدف إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي ووقف الاعتداءات المتكررة، وإطلاق الأسرى، وبدء إعادة إعمار ما دمرته الحرب، وصولا إلى بسط سلطة الدولة اللبنانية وحدها، بقواها الذاتية ومؤسساتها الشرعية، على كامل التراب الوطني. إن هذا المسار، رغم دقته وحساسيته وصعوبته، يشكل فرصة حقيقية لإرساء استقرار مستدام، قائم على السيادة الكاملة وحماية الحدود والقرار الوطني المستقل.
أما نحن في المديرية العامة للأمن العام، فإننا، انطلاقا من مسؤوليتنا الوطنية، سنبقى على جهوزيتنا الكاملة، نواكب التحولات ونقرأ المتغيرات بعين يقظة، ونطور الأداء والخبرات بما ينسجم مع أعلى المعايير المهنية. سنستمر في مواكبة التطور التكنولوجي وتسخيره في خدمة الأمن والمواطن، وسنُكمل مسار تسهيل الخدمات ومكننتها بما يحفظ كرامة الناس وحقوقهم ويعزز ثقتهم بدولتهم. وفي الوقت عينه، سنبقى على استعداد دائم للقيام بالواجب الوطني حيثما تقتضي الحاجة، التزاما بالقانون، وحفاظا على الاستقرار، وصونا للأمن في أدق مراحله.

مع انطلاق عام جديد نختار الرجاء المسؤول، ونؤمن بالعمل الهادئ العميق لا بالضجيج، وبالدولة القوية العادلة لا بالحلول الموقتة. فلبنان يستحق أن يُحمى بعقول أبنائه وسواعدهم، واللبنانيون يستحقون مستقبلا تُصان فيه كرامتهم ويُبنى على وحدة الموقف وحكمة القرار. إن الغد لا يُمنح، بل يُصنع، وما نزرعه اليوم من وعي ووحدة والتزام، سنحصده أمنا واستقرارا وسيادة في الأيام الآتية.

(عن مجلة الامن العام)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى