مجلس ترمب للسلام: أوروبا والشرعية الانتقائية قراءة في أسباب التحفّظ الأوروبي على مجلس ترامب للسلام

🔸️بقلم// محمد أسعد
لم يكن إعلان الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب عن إنشاء ما سمّاه “مجلس السلام” على هامش منتدى دافوس مجرّد محاولة لإطلاق مسار تفاوضي جديد، بل خطوة أعادت طرح سؤال أعمق: من يملك حق إدارة السلام، وبأي مرجعية، وتحت أي قواعد؟ فالمبادرة، بطابعها الشخصي وبنيتها المنفصلة عن الأمم المتحدة، لا تتحدى فقط آليات الوساطة التقليدية، بل تختبر هشاشة النظام الدولي نفسه.
ردود الفعل الدولية جاءت متباينة. فبينما تعاملت بعض الدول مع المجلس ببراغماتية حذرة، اختارت دول الشمال الأوروبي، ومعها عواصم أوروبية وازنة، التريّث أو الرفض المشروط، دفاعًا عن المرجعية الأممية. غير أن هذا الدفاع، على صلابته الظاهرية، يفتح الباب أمام تساؤلات تتجاوز المبادرة ذاتها.
السلام خارج الأمم المتحدة: تاريخ انتقائي
منذ نهاية الحرب الباردة، لم تعد الأمم المتحدة الإطار الحصري لإدارة النزاعات. فالانقسامات داخل مجلس الأمن، واستخدام حق النقض، وتعقيد الحروب الداخلية، دفعت قوى كبرى – وفي مقدمتها الولايات المتحدة -إلى رعاية مسارات تفاوضية موازية.
اتفاقيات كامب ديفيد عام 1978، ومفاوضات دايتون التي أنهت حرب البوسنة عام 1995، ومسار أوسلو الذي خرج من قنوات سرية قبل أن يُلحَق لاحقًا بشرعية دولية جزئية، كلها أمثلة على سلام صُنع خارج الإطار الأممي ثم جرى “تقنينه” سياسيًا.
هذه السوابق تضع الموقف الأوروبي الحالي في موضع إشكالي: فالدفاع عن الشرعية لم يكن دائمًا مبدأ ثابتًا، بل خضع، في كثير من الأحيان، لحسابات القوة والسياق.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس قانونية المبادرات غير الأممية بحد ذاتها، بل انتقائية الاحتكام إلى الشرعية: متى تُستدعى بوصفها خطًا أحمر، ومتى تُهمَّش حين لا تخدم التوازنات القائمة؟
منطق ترمب: السلام كصفقة
يقدّم أنصار “مجلس السلام” المبادرة بوصفها ردًا على عجز الأمم المتحدة عن إدارة النزاعات الكبرى. لكن مقاربة ترمب لا تنطلق من محاولة إصلاح هذا العجز، بل من تفكيك فكرة الوساطة المؤسسية نفسها. فالمجلس، ببنيته التي تسمح بعضوية دائمة مقابل مساهمات مالية، يعكس تصورًا للسلام بوصفه مساحة نفوذ، لا عملية قانونية خاضعة للمساءلة.
هذا المنطق يفسّر جانبًا من التحفّظ الأوروبي. فالمسألة لا تتعلق فقط بغياب التفويض الأممي، بل بالخوف من تحويل السلام إلى منتج سياسي سريع، يُدار بمنطق الصفقات، ويُفتقر فيه إلى أي ضمانات طويلة الأمد. هنا، لا يبدو الاعتراض الأوروبي أخلاقيًا بقدر ما هو دفاع عن إطار مألوف يحدّ من الفوضى، حتى وإن كان إطارًا معطوبًا.
الشمال الأوروبي وأوروبا: الدفاع عن القواعد
في هذا السياق، جاء موقف دول الشمال الأوروبي متماسكًا. النرويج والسويد وفنلندا شددت على مركزية الأمم المتحدة، وربطت أي انخراط بتفويض أممي واضح. آيسلندا، من دون إعلان صريح، حافظت على تقليدها القائم على التعددية الصارمة، ما يضعها عمليًا في خانة التحفّظ.
أما الدنمارك، فيصعب فصل موقفها عن السياق الأوسع لعلاقتها مع ترمب. فملف غرينلاند، الذي عاد إلى الواجهة مؤخرًا مع تصريحات جديدة للرئيس الأميركي السابق حول الأهمية الاستراتيجية للجزيرة، عزّز الحساسية تجاه أي مبادرة ترتبط بشخصه أو بنمط تفكيره السياسي. هذا العامل الشخصي لا يفسّر الموقف الدنماركي وحده، لكنه يضيف إليه طبقة من الحذر السياسي.
يتّسع هذا التحفّظ مع موقفي ألمانيا وفرنسا، اللتين نظرتا إلى المجلس بوصفه تهديدًا محتملًا لتماسك المرجعية الأممية، لا سيما في ظل الحديث عن احتمال إشراك روسيا. في أوروبا ما بعد حرب أوكرانيا، يُنظر إلى أي مسار سلام خارج الأطر المتعددة الأطراف بوصفه مخاطرة قد تفتح الباب أمام تآكل منظومة العقوبات والضغط السياسي.
دول عربية واسلامية: قبول مشروط
في المقابل، لم تتعامل دول عربية وإسلامية مع “مجلس السلام” من موقع الرفض، بل من زاوية براغماتية واضحة. فبعض هذه الدول أبدى استعدادًا للتفاعل مع المبادرة، لا انطلاقًا من قناعة بمرجعيتها، بل باعتبارها قناة محتملة للتأثير في واشنطن، أو لتفادي الغياب عن أي مسار تفاوضي قد يتصل بغزة أو بملفات إقليمية حساسة.
هذا القبول المشروط يعكس، في جانب كبير منه، ضيق هامش الخيارات العربية، لا ثقة حقيقية بمبادرات تُدار خارج الشرعية الدولية. وتجربة المنطقة مع مسارات تفاوضية غير أممية – من أوسلو إلى غيرها – تُظهر أن مثل هذه الأطر غالبًا ما تُنتج تسويات هشة، تُكرّس اختلال ميزان القوى بدل تصحيحه.
من يملك تعريف السلام؟
لا يدور الجدل حول “مجلس ترمب للسلام” حول مبدأ السعي إلى إنهاء الحروب، بل حول سؤال أكثر إزعاجًا: من يملك حق تعريف السلام، ومن يضع قواعده، ومن يضمن استمراريته؟
دفاع أوروبا عن الشرعية الأممية يبدو، في هذه اللحظة، دفاعًا عن نظام يضمن لها موقعًا مركزيًا في إدارة النزاعات. أما مبادرة ترمب، فتمثّل نقيض ذلك: سلام سريع، بلا قواعد واضحة، وبلا مساءلة.
بين هذين النموذجين، تبقى المنطقة العربية مرة أخرى في موقع المتأثر لا الشريك. وربما هنا تكمن المفارقة الأعمق: عالم يدافع عن الشرعية حين تناسبه، ويتجاوزها حين تعيقه، فيما تُترك نتائج هذا التناقض لتُختبر على هامش الجغرافيا الأقوى ثمنًا.
🔸️كاتب صحفي



