كيف تحاول صناعة البناء البقاء على قيد الحياة؟.. هلال صعب: الجودة أو الانهيار!

في خضمّ الانهيار الاقتصادي غير المسبوق الذي يضرب لبنان، تبرز صناعة مواد البناء كأحد القطاعات القليلة التي ما زالت تحاول الصمود، مستندة إلى الخبرة المحلية والحاجة الدائمة إلى البناء والترميم، في بلد لا يتوقّف عن إعادة ترميم أزماته.
رئيس مجلس إدارة شركة صعب لكيماويات البناء، رجل الأعمال هلال صعب، يقدّم قراءة واقعية لواقع هذا القطاع، بين الضغوط المتراكمة، وغياب السياسات، ومحاولات البقاء، واضعًا الجودة في مواجهة الانهيار.
قطاع حيّ رغم الاختناق
يوضح صعب أنّ صناعة مواد البناء تمرّ بمرحلة دقيقة وصعبة نتيجة الظروف الاقتصادية الراهنة، إلا أنّها لم تتوقّف بالكامل، لأنّها ترتبط بحاجات أساسية لا يمكن الاستغناء عنها، كالبناء والترميم والصيانة. ويؤكد أنّ المرحلة الحالية لم تعد تحتمل سباق الكميات، بل فرضت أولوية صارمة للجودة والموثوقية، في ظل ارتفاع كلفة الخطأ وانعدام هامش المجازفة.
الصناعة المحلية: خط الدفاع الأول
ويلفت إلى أنّ وجود مصانع محلية لمواد البناء يشكّل عامل أمان للسوق اللبناني، إذ يخفّف من الارتهان للاستيراد، ويؤمّن استمرارية في التوريد، ويتيح تطوير منتجات تتلاءم مع طبيعة المشاريع والظروف المحلية، من حيث المناخ، ونوعية الأبنية، ومتطلبات السوق.
كلفة الطاقة… العائق الأكبر
وحول التحديات، يشير صعب إلى أنّ كلفة الطاقة المرتفعة وارتفاع أسعار المواد الأولية تمثّل العائق الأبرز أمام المصنّعين، إضافة إلى غياب سياسات صناعية واضحة ومستقرّة. هذه العوامل، بحسب تعبيره، تضرب كلفة الإنتاج، وتُفقد المصانع القدرة على التخطيط طويل الأمد أو توسيع استثماراتها بثقة.
مصانع لبنانية بمعايير عالمية
وعن قدرة المصانع المحلية على تلبية حاجات السوق، يؤكد صعب أنّ المصانع اللبنانية راكمت خبرة تقنية مهمّة، وأصبحت قادرة إلى حدّ كبير على إنتاج مواد مطابقة لمعايير عالمية، تلبي متطلبات المشاريع الحديثة من حيث الأداء، والمتانة، وطول العمر الافتراضي.
منافسة نعم… لكن بشروط عادلة
وفي ما يخصّ المنافسة مع المواد المستوردة، يشدّد صعب على أنّه يؤيّد المنافسة العادلة، معتبرًا أنّ المنتج المحلي يمتلك نقاط قوة حقيقية، أبرزها الجودة، الدعم الفني، وسرعة التوريد. لكنه يطالب برقابة جدّية على جودة المواد المستوردة، وضمان تكافؤ فعلي في شروط المنافسة، حمايةً للسوق والمستهلك معًا.
رافعة اقتصادية منسية
اقتصاديًا، يوضح صعب أنّ قطاع مواد البناء يلعب دورًا محوريًا في دعم الاقتصاد الوطني، كونه يخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، ويغذّي قطاعات مترابطة كالنقل والتجارة والهندسة. ويؤكد أنّ أي تحريك لهذا القطاع ينعكس فورًا على الدورة الاقتصادية العامة.
ويضيف أنّ قطاع البناء غالبًا ما يكون من أوائل القطاعات التي تتحرّك مع أي تحسّن اقتصادي، ما يجعل صناعة مواد البناء في طليعة أي مسار تعافٍ محتمل.
ماذا يُطلب من الدولة؟
في هذا السياق، يشدّد صعب على أنّ القطاع يحتاج إلى طاقة بأسعار مقبولة، واستقرار تشريعي، وسياسات واضحة تدعم الإنتاج المحلي. ويعتبر أنّ دعم الصناعة الوطنية ليس عبئًا على الدولة، بل استثمارًا مباشرًا في الاقتصاد وفرص العمل.
التصدير… فرصة معلّقة
وحول إمكانات التصدير، يرى صعب أنّ مواد البناء اللبنانية، خصوصًا تلك ذات القيمة المضافة العالية، تمتلك قدرة فعلية على المنافسة في الأسواق الخارجية، شرط توفير الدعم اللوجستي وتسهيل إجراءات التصدير.
البيئة لم تعد ترفًا
بيئيًا، يؤكد صعب أنّ المسؤولية البيئية أصبحت جزءًا لا يتجزّأ من جودة المنتج، مشيرًا إلى العمل المستمر على تحسين التركيبات، ضبط عمليات الإنتاج، وتقليل الهدر، لأنّ الاستدامة باتت معيارًا أساسيًا في الصناعة الحديثة.
ويشدّد على أنّ الالتزام بالمعايير البيئية والفنية العالمية ليس شعارًا تسويقيًا، بل مسار متكامل يبدأ من اختيار المواد الأولية ولا ينتهي عند المنتج النهائي.
السوق العقاري… إشارات خجولة
وفي قراءته لواقع السوق العقاري، يشير صعب إلى عودة تدريجية لبعض المشاريع وارتفاع نسبي في الأسعار، معتبرًا ذلك مؤشرًا إيجابيًا. ويضيف أنّ الأزمة، رغم تقليصها لحجم المشاريع، رفعت وعي السوق بأهمية الجودة، لأنّ كلفة الخطأ أصبحت باهظة.
كما يلفت إلى الدور الذي يلعبه المغتربون في إبقاء حدّ أدنى من الحركة في السوق العقاري، ما ينعكس مباشرة على قطاع مواد البناء.
حذرٌ متفائل
في نظرته إلى المستقبل، يصف صعب موقفه بالحذر المتفائل، معتبرًا أنّ الصناعة اللبنانية أثبتت قدرتها على الصمود في أقسى الظروف، ومع أي تحسّن في الاستقرار، يمكن لهذا القطاع أن يستعيد نشاطه تدريجيًا.
ويختم بالتأكيد على أنّ دعم الصناعة الوطنية ضرورة لا خيارًا، داعيًا المستثمرين في قطاع البناء إلى التركيز على الجودة، والتخطيط السليم، والتعامل مع مصانع موثوقة تلتزم بالمعايير، لأنّ المرحلة المقبلة — كما يقول — ستكافئ من يعمل على أسس متينة، لا من يراهن على التسويات المؤقتة.



