اخبار لبنانبة

عن التفاوض المُزلّط.. يا ولدي/بقلم مريم البسام

كتبت الزميلة مريم البسام على صفحتها-فيسبوك:
يقول رئيسُ الجمهوريةِ العماد جوزاف عون إنّ «ليس أمامَ لبنانَ إلّا خيارَ التفاوضِ الذي لا يكونُ مع صديقٍ أو حليفٍ بل مع عدوّ».

نعرفُ أنّ لبنانَ قد سُدّت الفرصُ في وجهِه، وبات الآن أمامَ ما سُمّي أميركيًّا بالفرصةِ الأخيرةِ، لكنّنا نعلمُ أيضًا أنّنا متى ذَهَبنا إلى التفاوضِ «مزلّطين»، فكأنّك يا بوزيد ما غزيت، وعدوُّك المدجّجُ أميركيًّا سيفرضُ شروطَه عليك قبلَ أن يقلبَ الطاولةَ ويدّعي أنّ المفاوضاتِ انتهت إلى فشلٍ كعَهده في التعاملِ مع التفاوضِ منذ مؤتمرِ مدريدَ للسلامِ عامَ 1991، مرورًا بالمبادرةِ العربيّةِ في بيروتَ عامَ2002 التي بلّها ولم يشربْ حتّى ميتَّها، وصولًا إلى اتفاقِ تشرينَ العامِ 24 الغدّار.. وشو بيشبهك تشرين.

حقُّ لبنانَ، أقلَّه، المطالبةُ بالبندِ الرابعِ من اتفاقِ وقفِ العملياتِ العدائيّةِ،
وفيه: «يحتفظُ الطرفانِ بحقِّ الدفاعِ عن النفسِ، ولا يُلغي الاتفاقُ هذا الحقَّ».
قال الاتفاقُ: الطرفان، الطرفان، ولم يُعطِ إسرائيلَ حقًّا فرديًّا بالخرقِ، لا بل ألزمَها في بندهِ الثاني بأن «تمتنعَ عن تنفيذِ أيِّ عملياتٍ عسكريّةٍ هجوميّةٍ على الأراضي اللبنانيةِ، سواء ضدَّ أهدافٍ مدنيةٍ أو عسكريةٍ، أو أيِّ أهدافٍ أخرى، برًّا أو بحرًا أو جوًّا».

هل صعبٌ علينا إلزامُها بوقفِ الأعمالِ العدائيّةِ شرطًا للتفاوضِ، سواء العسكريِّ أو المدنيِّ أو الدبلوماسيِّ؟
تفاوضوا.. لكن على ماذا؟ ولبنانُ يُقتلُ كلَّ يوم، يخسرُ شبابَه ممّن حموا الأرضَ، وإذا كانت أهدافُ إسرائيلَ الاستمرار في الاغتيالِ اليوميِّ، فإنّ قرى الجنوبِ لا تنضُب، أهلُها هم حُرّاسُها، رجالُها وشبابُها، يُستهدفون بلا ردٍّ التزامًا بالاتفاقِ ووقوفًا وراءَ قرارِ الدولةِ.

ما اعتادوا مرّةً على هذا المشهدِ، وقد أطْبَق الاتفاقُ على عامِه الأوّلِ، والنارُ فيه تضربُ بالنارِ، مسيّراتُ العدوِّ تلاحقُ المدنيين.. حتى الشبابُ هم مدنيون الآن طالما أنّهم ليسوا في وضعيّةِ قتال، وصاروا.. يُشَيِّعون ثم يُشَيَّعون.

عَلامَ التفاوضُ؟ على قتلِ ما تبقّى من أهلٍ جنوبًا وبقاعًا؟ هل استنفدنا كلَّ أوراقِ الضغطِ، ولم يعد لدينا ما نقولُه سوى الذهابِ إلى لقاءِ العدوِّ من دون قيدٍ أو شرط؟
تُبرّرُ السلطةُ: «نجلسُ ثم نطلبُ» وليس العكسَ، مُدمّرةً مبدأ «خُذ وطالبْ».

إذا جلستَ يا عزيزي والخوفُ بعينيكَ، فهل ستتأمّلُ فنجانَها المقلوبَ؟
الحربُ عليك هي المكتوبُ يا ولدي..

فأنت غدًا أمامَ إسرائيلَ، الكيانِ الذي أحرق أوراقَ مدريدَ للسلامِ وفرّق َالعربَ، واحدًا إلى أوسلو وآخرَ إلى وادي عربةَ، ثم أوقف التفاوضَ على شِبرِ ماءٍ في طبريّا.

اغتال أوسلو ولم يُطبّقْها، سمّم عرّابَها ياسرَ عرفات، وراح التطرّفُ في المجتمعِ الإسرائيليِّ إلى خيارِ تصفيةِ إسحقَ رابينَ، فعالجَه المتطرّفُ إيغال عامير بأن أطلق الرصاصَ عليه أثناءَ مهرجانٍ لدعمِ السلامِ في ميدانِ «ملوكِ إسرائيلَ»، في مثلِ هذا اليومِ قبلَ ثلاثينَ عامًا.

تأثّر عامير بخطاباتِ بنيامين نتنياهو التي حرّضت ضدَّ رابينَ إثرَ توقيعِه أوسلو، واتّهم رابينَ بالتخلّي عن «أرضٍ يهوديّةٍ».

نحن نتفاوضُ مع هذا المجتمعِ الذي يتعاملُ معك على طريقةٍ بسيطةٍ لديه، ولا تُكلّفُه سوى الإلغاءِ والإبادةِ، حتّى ولو قتلتَ رئيسًا من ضلعِ يهوديّتِها.

نحن كنّا أوّلَ طلابِ سلامٍ، عربًا ذهبنا بأوراقِنا إلى العاصمةِ الإسبانيّةِ وفاوضنا، ووضعنا شعارًا هو: «الأرضُ مقابلَ السلامِ». لا نَقزةَ لدينا من الحوارِ والتفاوضِ والجلوسِ قعودًا ووقوفًا، بمدنيينَ وعسكريينَ وطبوغرافيينَ وحكماءَ بيطريينَ.. ليس هذا المهمَّ.

الأهمُّ ماذا أعددنا للتفاوضِ، وليس من المعقولِ ألّا يكون قد تبقّى في خزائنِنا ورقةُ ضغطٍ واحدةٌ لنحدّدَ خياراتِنا بها: أوقفوا القتلَ لنجلسْ، ولا تفاوضونا بالنارِ وتضيفوا على النيرانِ تهديدًا بقصفٍ يُرادُ منه توجيهُ رسالةٍ إلى رئيسِ الجمهوريّةِ تحديدًا.

ما عدا ذلك.. سترجعُ يومًا مهزومًا مكسورَ الوجدانِ،
وستبقى تُطارِدُ خيطَ دخانٍ،
ما أصعبَ أن تفاوضَ «دولةً» ليس لها عنوانٌ،
يا ولدي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى