الانتشار اللبناني

كلمة سابا قيصر زريق بمناسبة الندوة التي أقيمت في ذكرى الـ50 على رحيل شاعر الفيحاء سابا زريق

أبَيتُ أن ينصرِمَ نصفُ قَرنٍ على مغادرةِ شاعرِ الفيحاء دُنيانا الفانية، دون أن أثبِّتَ هذه الذِّكرى في لقاءٍ مع مُحِبّيه ومُحِبّي أدبِه.

إن المواضيع المتنوعة التي تصدّى لها مُنتدونا الكِرام حولَ شاعرِنا في هذه الأمسيّةِ المُباركَة لم تكُنْ قطعاً وليدَ ابتكاري، بل ألهمها الرئيس نبيل صاري، على هامشِ مكالمةٍ هاتفيةٍ جرَتْ بيني وبينَهُ منذُ أشهر عدَّةِ.

قال لي الرئيس صاري في تلك المكالمة:

“الكلُّ يتحدَّثُ عن أدبِ شاعرِ الفيحاء، فهنالك من قد يكونُ أفضلَ منه في هذا المجال وهنالك من ربما يكونُ شِعرُهُ أقلَّ جودةٍ من شعْرِه، غير أني لم أسمَعْ أحداً يتناولُهُ كمُربٍّ، تميَّزَ بأسلوبِهِ وتركَ آثاراً حميدةً في مجتمعِهِ الطرابلسي”. وما أن أقفلْنا الخط، حتى بدأَتْ فكرةُ إحياءِ ذكرى خمسينيةِ رحيلِه، بندوةٍ يتطرَّقُ فيها المنتدون إلى زوايا مختلِفةٍ من شخصيتِهِ ونِتاجِه وفِكرِه. تساءَلْتُ على من يا ترى سوف أتطفَّلُ بالطلبِ بمداخلةٍ في هذه المناسبة؟

لم أتردَّدْ لحظة في الطلبِ من الرئيس صاري التكلُّمَ على “سابا زريق المربي”. ألم يكُنْ هو المبادِرُ إلى طَرحِ هذه الفكرة؟

وكذلك الأمر، رأيتُ في أخي د. مصطفى الحلوة، وهو الحفيدُ الآخرُ لشاعر الفيحاء، بالحَلالِ الأدبي، الدارسُ الأكبرُ له، الأَوْلى بالتكلم على “سابا زريق الشاعر”.

وكونُ شاعرُ الفيحاء كان قد شَغلَ، في منتصفِ القرنِ الفائت، نيابةَ رئاسةِ المجلسِ البلدي في طرابلس، لولايتين متتاليتين، لجأتُ إلى صديقي ورفيقِ الدراسةِ في معهد الفرير في طرابلس، الدكتور رياض يمق، الرئيسِ الحالي للمجلس البلدي، ليحيطنا بما قَطَفَهُ من ثِمارِ بحثِهِ عن “سابا زريق الإداري”.

وكيف لي أن أتجاهلَ العقود العديدة التي أسهمَ خلالَها شاعر الفيحاء في الصَحافة المحلية والعربية، وهو الذي كانت له صولاتٌ وجولاتٌ في امتهان متاعبها، مفتشاً عَمَّن يمكِنُه أن يلقيَ ضوءًا على “سابا زريق الصَّحَفي”. كلما التقيتُ المُخضرَمَ مايز الأدهمي، أو وردَ اسمُهُ خلالَ حديثٍ ما، استعادت ذاكرتي تلك الأيامَ من ستّينياتِ القرنِ الفائت، عندما كان جَدّي يصطحِبُني، من وقتٍ لآخر خلال العطلة الصيفية، في زياراتِهِ اليومية لـ “دارِ الإنشاء”، التي كانَتْ تقعُ، وما زالَتْ، في شارعٍ متفرِّعٍ من ساحةِ الكورة، على مقرُبةٍ من المنزلِ الذي ترعرَعْتُ فيه في شارعِ يزبك في طرابلس، لالتقاءِ أترابٍ له في عرينِ عميدِ الإنشاء، الراحل محمود الأدهمي، أبي غسان، حيث كانوا يتجاذبون الأحاديثَ وأنا الشّاهدُ ابنُ العاشرةِ “مثل الأطرش بالزّفة”. غير أن تلك العليّةِ في الطابقِ الأولِ من الدّار كانَتْ محَجّاً لأربابِ فِكرٍ وسياسة. فلو لم ألتمسْ من أخي مايز المشاركةَ في التكلُّمِ على “سابا زريق الصَّحَفي”، لكنتُ حتماً قصَّرْتُ بحقِّ صداقةٍ عتيقة توارَثْناها نحنُ الإثنين.

أما أستاذُنا الكبير، شفيق حيدر، الغنيُّ عن التعريف، لِما له على أجيالٍ عديدة من فضائلِ المربّي العالِمِ والوَدود، فهو بالنسبةِ إلي، إبنُ شقيق “أبي يعقوب”، الراحل موسى حيدر، الذي كانت تربِطُهُ بشاعرِ الفيحاء صِلةٌ هي الأقربُ إلى صِلاتِ الرَّحِم، والذي رحَلَ يوماً واحداً قبلَ رحيلِ شاعرِ الفيحاء عام 1974. إن للأستاذِ شفيق في مجتمعِنا الطرابلسي مكانةً مرموقةً ومجَلّيةً كمربٍّ هو الآخر، لعقودٍ طويلة وكصاحبِ طروحاتٍ رؤيويةٍ أثبتَها في مؤلَّفاتٍ عديدة. وهو كذلك، بحُكمِ تربيةٍ إيديولوجيةٍ ما وانتماءٍ أرثوذكسيٍ، في صميمِ هذا المذهبِ المنفتح، عَرَفَ شاعرَ الفيحاء عن كثب ووقَفَ على ناحيةٍ بارزةٍ من مسيرته العُروبية. وهو اضاءَ منذ دقائق على “سابا زريق الأرثوذكسي العروبي”.

وأخيراً وليس آخراً، لم يبذُلْ يقيني أيَّ جُهْدٍ لاختيارِ د. جان توما كضابطِ إيقاعٍ لحفلنا هذا. فالمنابرُ خيرُ شاهدٍ على مَن حلّقَ في هذا الدور بنبرتِهِ المِرنانة، مُروِّضاً مفرداتِ لغتِنا الغنية مطوِّعُها لتلدَ أدباً، له ينحني الأدبُ.

جدي الحبيب،

أرى أساريرَ طيفِكَ الحنون منفرجةً في ملكوتِ الخالق، إلى جانبِ الأبرارِ والصدّيقين، لما تمنَحُكَ فيحاؤكَ في كلِّ مناسبةٍ من التفاتاتٍ بارزةٍ لعطاءاتِكَ في ذاكرةِ المدينة الجَمعية. أما أنا، فإن لم تورِثْني إلا اللقبَ الذي رافقَكَ طوال حياتِك المديدة، أي “عاشق الفيحاء”، فإنك تكونُ قد أغدَقْتَ عليَّ بمكرُمَةٍ، لا تُضاهيها كنوزُ الأرضِ.

وإلى أحبائي المنتدين والحضور الكريم، أهدي أصدقَ مشاعرِ الإمتنان. وأسمحوا لي أن أرسِلَ إلى روحِ شاعرِ الفيحاء باسمنا جميعاً رسالةً مطمئناً إياه بأن طَرابُلُسَه بأفضلِ خيرٍ، وبأن اللغةَ التي عشِقَ هي بأمانٍ في عُهدةِ ورعايةِ العشراتِ من أبنائها المُجَلّين، يرعَوْنها ويحافظونَ عليها كما هو أراد، ناقلاً إليهم جميلَ عِرفانك، مردِّداً بيتين لك من عصماءَ ألقيتَها يومَ كُرِّمْتَ في مدينتِكَ، قائلاً:

“الفَضلُ أشرفُ ما بَنَتْهُ يَدانِ آمَنْــــتُ بـــالبانينَ والبُــنيانِ

خلعوه محبوكاً على ضَعفي وما ضنوا بوارفه على نقصاني”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى