الإنتشار اللبناني

وزير الشؤون الاجتماعية: المال المخصص للنازحين مشروط سياسيّاً وميدانيّاً

حوار اجراه// غاصب المختار

لا يزال موضوع اعادة النازحين السوريين موضع اهتمام ومتابعة رسمية وسياسية، لاسيما بعد مؤتمر الاتحاد الاوروبي في بروكسل الخاص بالازمة السورية والنازحين، والذي قرر ابقاء الدعم المالي الشحيح اصلا لهم في الدول المضيفة، متجاوزا موقف لبنان وقراره السيادي. لذلك قرر مجلس الوزراء اجراءات جديدة تحت عنوان الاستجابة للازمة، وشكل لجنة وزارية لهذه الغاية

قبيل انتهاء مؤتمر بروكسل وصدور قراراته، وقبل القاء وزير الخارجية عبدالله بوحبيب كلمة لبنان في المؤتمر والتي عرض فيها خطة لبنان لمعالجة ازمة النازحين، خرج مفوض السياسة الخارجية والامن في الاتحاد الاوروبي جوزيب بوريل ليعلن استمرار العقوبات على سوريا حتى تحقيق الحل السياسي، وتخصيص مبلغ 2,2 مليار يورو لدعم السوريين في اماكن وجودهم. واعتبر ان الظروف الحالية لعودة آمنة وطوعية وكريمة الى سوريا ليست متاحة.
كانت لوزير الخارجية بوحبيب كلمة مطولة في مؤتمر بروكسل اكد فيها ان لبنان يخطو خطوات متسارعة نحو الانفجار الكبير، محذرا في تلميح الى قوارب الموت. واشار الى انه يحمل موقفا لبنانيا جامعا عبّر عنه البرلمان بتوصيته الاخيرة للحكومة، بعدما وصل الى نقطة اللاعودة لجهة تحمل بقاء الامور على حالها، والاستمرار في السياسات الدولية نفسها المتبعة قبل اكثر من 13 عاما.
تلقفت الحكومة موقف الاتحاد الاوروبي بتأكيد استمرار اجراءاتها القانونية لترحيل السوريين غير الشرعيين والمحكومين بتهم جنائية. واكد مجلس الوزراء في جلسة 28 ايار انه “سيتم تنفيذ خطة الحكومة من خلال التصنيف الذي يتم وستبدأ القوافل بالعودة، وهناك اعداد كبيرة ستعود بالتفاهم مع الجميع، مع احترام حقوق الانسان والمعايير الدولية”.
على خط مواز، وافق رئيس الحكومة نجيب ميقاتي على خطة “توحيد الاستجابة كاطار عمل مشترك لمواجهة تبعات الازمة وتأمين المساعدة والدعم للمجتمعات الاكثر فقرا في لبنان”، وذلك بناء على رسالة الى منسق الامم المتحدة في لبنان عمران ريزا في هذا الخصوص، على ان يتم تشكيل لجنة توجيهية لتأمين الرقابة الاستراتيجية لخطة الاستجابة، يترأسها نائب رئيس الحكومة، على ان تقوم وزارة الشؤون الاجتماعية بتنسيق الاستجابة التنفيذية للخطة.
لكن وزير الشؤون الاجتماعية هيكتور حجار اعترض على خطة الاستجابة، معتبرا ان “هذا التوجه يشكل بداية لرفع مسؤولية شاملة للمجتمع الدولي عن ملف المقيمين واولهم النازحون السوريون، وبالتالي القائه على عاتق الدولة اللبنانية”. وقال: “بعض الاوساط الحكومية تتحجج كذلك، بانها ارسلت كتبا لكل الوزارات المعنية، علما ان هذه الكتب ارسلت من دون التشاور مع الوزراء المعنيين، او توضيح تفاصيل الخطة، كما تم تعيين رئيس للجنة التي ستتولى ادارة الاستجابة من دون تحديد دور هذه اللجنة. لذا، يبقى خوفنا الاكبر هو ان تصب هذه الاجتهادات التي يلفها الغموض في خانة شراء الوقت لاطالة فترة وجود النزوح السوري في لبنان”.
وجه حجار كتابين الى كل من الامانة العامة لمجلس الوزراء والامانة العامة لمجلس النواب، عبّر من خلالهما عن رفضه المطلق لتوحيد الاستجابة للمواطنين اللبنانيين والمقيمين على الاراضي اللبنانية. كما سبق له ان اعترض على قرارات مؤتمر بروكسل.

كانت له عبر “الامن العام” قراءة مفصلة لمؤتمر بروكسل وخطة الاستجابة.

* لا يزال موضوع النازحين محط اهتمام رسمي وسياسي خاصة بعد مؤتمر بروكسل، كيف تقرأ قرارات المؤتمر لاسيما رفض اعادة النازحين؟
– ارى ان مقاربة وزير الخارجية عبدالله بوحبيب وطرحه للموضوع في مؤتمر بروكسل هي مقاربة جيدة وتمثل كل الاطراف في لبنان، كما اعتقد انها مهمة. لكن رد الاتحاد الاوروبي بشخص بوريل كان يعيد ما قاله السنة الماضية بعض الاوروبيين في الاطار ذاته، كأنهم لم يسمعوا لا انين اللبنانيين ولا مشاكلهم ولا الواقع اللبناني، ولا حتى خطاب الوزير بوحبيب، وما زالوا يضعون نظارات سودا لا يرون عبرها، وسماعات اذن تسمع فقط في اتجاه واحد مفاده لا نريد التعاطي مع الرئيس بشار الاسد، وان كل المشكلة عند سوريا وهي غير آمنة.
* هل تعتبر ان الوضع في سوريا مساعد لعودتهم خلافا لموقف الاتحاد الاوروبي؟
– هناك مستويات عدة لتقييم الوضع في سوريا. اولا توقفت حاليا الاعمال العسكرية. ثانيا هناك سفارات ومنظمات دولية تعمل فيها، وهناك اعادة علاقات بين سوريا وبعض الدول ومنها السعودية والامارات عينت سفراء لها في دمشق، وهناك دول اخرى في صدد اعادة العلاقات معها. الاكيد ان ما يؤثر على وضع سوريا هي العقوبات الغربية، لكن الحياة في سوريا طبيعية الى حد بعيد. صحيح ان هناك ازمة اقتصادية، لكن لبنان ودول كثيرة في العالم تعاني ازمات اقتصادية، وفي غزة هناك ازمة عسكرية واقتصادية، فهل ننقل اهل غزة الى لبنان؟ هل هذا هو الحل وهل نستبدل ارضهم بأرض اخرى؟ لذلك اؤكد ان الوضع العام في سوريا جيد، والاستقرار فيها جيد، الا ان رئيس الحكومة السورية اعلن ان سوريا تنتظر المبادرات من لبنان. لكن هذا الشعب هو شعب سوريا، وعليها ايضا ان تبادر الى حماية شعبها اقتصاديا واجتماعيا حيث وجد في العالم، وحمايته في لبنان ضرورة وعليها ان تبادر مبادرات كبيرة لعودة العائلات. اعتقد ان على سوريا ان لا تكتفي بالتدابير القانونية حول الخدمة العسكرية والقضايا الامنية التي تتخذها فقط لعودة النازحين، بل عليها ان تذهب ابعد. هذا الموطن السوري له حق على الدولة في أن تتابع وضعه اينما كان عبر سفاراتها، بالتسجيل والتحفيز وتأمين اطار آمن للعودة له، وهذا امر ضروري. هذه الامور لا تحتاج الى مؤتمرات وكذلك عودة الشعب الى بلده لا تحتاج الى مؤتمرات، بل هو في حاجة الى مبادرات كبيرة. اعتقد ان سوريا حريصة على لبنان وعليها ان تبادر، ولبنان حريص على سوريا وعليه ايضا ان يبادر. على الدول المجاورة لسوريا ان تعمل مع بعضها البعض للحفاظ على الجوار الجيد عبر الدعم المتبادل. في العام 2006 خلال حرب تموز، بادرت سوريا الى استقبال اللبنانيين من كل المناطق خصوصا الجنوبيين، لكن اللبنانيين عادوا مسرعين الى قراهم عند توقف الحرب، ونحن ممتنون لهذا الاستقبال. فلنأخذ هذا الدرس التاريخي ونطبقه اليوم. لبنان استقبل منذ العام 2011 الاخوة السوريين في كل مناطقه، اما وقد انتهت الحرب فعلى هؤلاء المبادرة ذاتيا الى العودة الى وطنهم، وعلى الدولة السورية ان تفتح الابواب وان تبادر وان تستقبل في السفارة وان تساهم في تسجيل الولادات، وان ترعى الاوضاع، وان تهتم بكل الملفات وبخاصة ملفات الاشخاص الموجودين في سجون لبنان، وكيفية التعاون في تطبيق كل الاتفاقيات.
* ما المطلوب من لبنان لمواجهة هذا القرار الاوروبي، وهل تكفي الاجراءات الحكومية والبلدية والامنية المتخذة ام مطلوب تحرك آخر؟
– على لبنان العمل على مستويات عدة، اولها الديبلوماسية المتقدمة مع دول الجوار سوريا وغيرها، وفي دول العالم اميركا واوروبا وغيرها من دول تناصر موقف لبنان وتدعمه. علينا ان نتوجه شرقا وغربا بهدف انقاذ هذا البلد الذي تحمل الكثير عن اشقائه العرب، وصولا الى ما يحصل في الجنوب الان. لبنان بلد ينبض بالعروبة، واعتقد انه على الاخوة العرب وسوريا بالاخص، ان يدعموا لبنان لحل هذا الملف الوجودي ملف النزوح السوري. ثانيا، على لبنان التحرك والعمل على تطبيق القانون في لبنان على كل المستويات. تطبيق اعادة التسجيل الممكنن لتصنيف النازحين لاحقا بغض النظر عما تقوم به وتقوله مفوضية اللاجئين للنازحين. علينا نحن ان نبادر كدولة بانشاء منصة لتسجيل السوريين وبعدها القيام بزيارات، ثم الذهاب الى تصنيفهم بين مَن اتى بسبب الحرب او لاسباب اقتصادية لتأمين معيشته او ليعبر باتجاه اوروبا. التصنيف يجب ان يحصل بمسؤولية في دولة ذات سيادة.
* كيف يمكن لبنان ان يتعاطى مع القرار الدولي ببقاء النازحين؟
– من حق لبنان الشرعي ان يرفض هذا القرار الدولي، وان يذهب تاليا الى تغيير المعادلة. هناك اساليب عدة لتغيير المعادلة، واعتقد انه على السياسيين والشعب اللبناني – وانا اراهن على هذا الشعب – قلب المعادلة وتغييرها، وعليه تستطيع دول العالم كلها فهم حقيقة وضعنا وازماتنا الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية والبيئية، وما يتحمله لبنان من هذا الوجود الكثيف ومخاطره من خلال استبدال الشعب وتغيير الهوية.
* اعترضت على خطة الاستجابة الحكومية للازمة، فما هي مخاطرها واسباب اعتراضك؟
– بالنسبة الي ارى ان هذا الموضوع يشكل تنازلا عن سيادة لبنان، لأن اي استجابة على الارض اللبنانية يجب ان تكون بمبادرة من الدولة اللبنانية. لكن عندما نتنازل لطرف اممي نكون قد تنازلنا عن سيادتنا، كما حصل عام 2011 عندما تنازلنا عن موقفنا وحقنا السيادي، ونعلم مَن كان رئيسا للحكومة عام 2011، واليوم نبكي ونشكو ونستجدي الحصول على داتا النازحين، فهل نتخلى الان عن خططنا؟ هل ارض لبنان مباحة للجمعيات المحلية والدولية، ام ان هناك وزارات معنية تضع الخطط بالتنسيق في ما بينها من اجل الاستجابة الحقيقية؟
* ما تفاصيل هذه الخطة وهل عرضت عليكم؟
– رئيس الحكومة لم يعرض خطة الاستجابة، بل جاءت من الامم المتحدة التي ذهبت الى الترغيب والترهيب. لقد اجتمعت مرارا بمنسق الامم المتحدة عمران ريزا، وسمعت منه اننا اذا لم نطبق الخطة فان الاتحاد الاوروبي لن يدفع الاموال، ومع ذلك ابلغته رفضي لها، وليتحمل دولة الرئيس المسؤولية. انا قلت ما قلته ومقتنع بما اقول، ولست في خصام شخصي مع الرئيس بل في خصام سياسي.
* ماذا يعني توحيد المسارات؟
– تحدثنا عن المستوى السيادي، اما على المستوى الميداني، فتوحيد المسارات هو خطر آخر في خطة الاستجابة لأنه مفروض من الخارج علينا بالتهديد والوعيد، وبالقول انه اذا لم نوحد المسارات سيتوقف الدعم المالي، وهذا يعني انه مال مشروط لابقاء السوريين في لبنان ولتطبيع بقائهم فيه. هذه الاداة التنفيذية للاتحاد الاوروبي المسماة مفوضية شؤون اللاجئين تنفذ خطة بقائهم في لبنان. لكن هذا البقاء يذهب تصاعديا وقوننته تذهب ايضا تصاعديا. نحن لم تصلنا الخطة مكتوبة، وفي الاصل لماذا احصل على خطة من عمران ريزا؟ هل نحن في دولة تحت الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة؟ (فرض القرارات بالقوة). اذا كانت هناك حاجة للاستجابة لاوضاع الناس وثمة حاجة فعلا، فالخطة يجب ان تصدر من الوزارات المعنية في لبنان: وزارات التربية والصحة والشؤون والداخلية والعدل تخرج عنها لجنة وزارية تضع خطة تتناقض مع الجمعيات الدولية لتسهيل العمل وليس العكس. سؤالي هو التالي: اذا تم توحيد المسارين ولم تتوافر الاموال من الدول المانحة ماذا يفعل لبنان؟ مَن سيدفع لأمراة حامل على وشك الولادة امام باب المستشفى؟ مَن سيدفع للتعليم في المدارس الرسمية؟ بعد ذلك سيأتوننا بشعار اننا لسنا انسانيين ولا نطبق القوانين الدولية ويتهموننا بأننا عنصريون، ويجب ان يتحمل لبنان تبعات التعليم والطبابة والشؤون الاجتماعية والمعيشية. فهل لدى دولة الرئيس ميقاتي القدرة على تحمل تبعات كل هذه المواضيع؟ واذا كان لدينا المال فلماذا لا ننصف القطاع العام وندخل كل المحفزات والتقديمات في صلب الراتب؟ لماذا لا نذهب الى خطة اصلاحية اقتصادية وننتهي من مراجعتنا كل يوم في موضوع الاصلاح؟ لماذا لا نحل موضوع المودعين وهي سرقة العصر؟ علينا ان نطرح هذه الاسئلة من اجل الوصول الى الغاية القصوى وهي استعادة سيادتنا وقرارنا الحر وبناء الدولة.

(مجلة الامن العام )

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى