“تاريخ طرابلس الشام – من أقدم أزمانها إلى هذه الأيام” لـ “حكمت بك شريف”/ سابا قيصر زريق

ألقيت في مركز الصفدي الثقافي يوم الجمعة الواقع فيه 17 أيار 2024
“تاريخ طرابلس الشام – من أقدَمِ أزمانِها إلى هذه الأيام”.
إنصرمَتْ “هذه الأيامُ” منذ ثمانيةَ عشَرَ حَولاً وقرنٍ كامل، عندما استكانَ قلمُ حكمت بك شريف على آخرِ صفحةٍ من مخطوطتِهِ، قبَيلَ أُفولِ وهجِ الدولةِ العثمانية.
على الرغمِ من خضوعِ الفيحاءِ لحِقْباتٍ متتاليةٍ من الاحتلال، على مدى ما بين سبعة وعشرين قرنًا وخمسةٍ وثلاثينَ قرنًا، كونَ المؤرِّخون لم يُجمِعوا على عمرِها، بقيتْ آثارُ الحِقْبةِ العثمانيةِ دامغةً في الكثيرِ من معالِمِها. فلا عصورُ ما قبلَ التاريخ ولا العصرُ الفارسي ولا الروماني ولا الهلينيستي البيزَنطي تركوا آثارًا ماديةً تُذكَرُ في مدينتِنا، إلى أن جاءَ الصليبيون/ الفرَنْجة وطارِدوهم المماليك. أما العثمانيون فبصماتُهم المِعمارية بارزةٌ في المدينة.
تحوّلَتْ فيحاؤنا في زمنِ العثمانيين إلى مركزِ لواء، بعد تأسيسِ ولايةِ بيروت في العام 1305 هجري (بين 1887 م و1888م)، بأقضيةٍ أربعة، وهي قضاء طرابلس (مركز اللواء)، وقضاء عكار (مركزه قرية حلبا)، وقضاء صافيتا (مركزه قرية برمانا) وقضاء حِصن الأكراد (ومركزه قلعة الحصن).
وعلى الرغمِ من الثقافاتِ العديدةِ المتنوِّعة والمتناقِضة التي توالَت على المدينة، فإن طرابلسَ لم تنشَطْ ثقافيًا إلا في القرنِ الثالث هجري، بعد دخولِها من قِبَلِ العَرَبِ والمسلمين من قبائلَ كقريش وبني تميم. وصدرَتْ في القرنِ الرابع هجري دراساتٌ إسلاميةٌ وأدبيةٌ وعلمية، لتبلُغَ ذروتَها في النّصفِ الثاني من القرنِ الخامس هجري، مع إنشاءِ مكتباتٍ ومدارسَ وتضاعُفِ عددِ الكتّابِ والشعراءِ والعلماء.
* * *
وعلى خلفيةِ هذه الوقائعِ التاريخيةِ الصّاخبة، برزَ مفكِّرٌ متعدِّدُ الأبعادِ الذّهنية، هو حكمت شريف بن محمد بك شريف بن محمد بك شريف بن محمد أمين بك ابن حَمزة باشا يكن زادة، من أمٍ تركية، المولود في الرُّبعِ الأخيرِ من القرنِ التاسع عشر، سليلُ العائلةِ اليكنية، التي يرجحُ نَسبُها لأحدِ سلاطين بني عثمان.
تعدّدَتْ مواهِبُ حكمت بك، هو الذي كتبَ في التاريخِ والتراجمِ والسياحةِ والنوادرِ والأمثالِ والتأمّلات؛ وكذلك في الصِّحافةِ على صفحاتِ جريدتِه “الرغائب” (وهي ثاني الصحفِ الطرابلسيةِ بعدَ جريدة طرابلس الشام التي صدرَتْ عام 1893)، كما وفي صحفٍ عديدةٍ أخرى. اتّسمَتْ كتاباتُهُ بطابعِ المؤرِّخِ كونهُ من أبرزِ من واكَبَ يراعُهُ أحداثَ نهاياتِ القرنِ التاسع عشر، فوثَّقَها؛ وتزامنَ عمَلُهُ كذلك مع النّهضةِ الأدبية العربية. وربما حثَّهُ نسَبُهُ التركي على خَوضِ غُمارِ تأريخِ تلك الحِقْبة، التي اعتَبرَ المؤلِّفُ فتحَها أنه مجيدٌ. كان مؤلِّفُنا رؤيويًا، استشرفَ أن الدولةَ العثمانيةَ عِرضةٌ للانهيار، منذ بدءِ سلسلةِ استقلالِ دولٍ عنها، إعتبارًا من الرُّبعِ الأول من القرنِ التاسع عشر، بوتيرةٍ استمرَّتْ لغايةِ أوائلِ القرنِ العشرين. كما تأثرَ بدُعاةِ الإصلاحِ والإستقلالِ السياسي والإجتماعي وتمرّسَ بالإدارةِ البلديةِ والمالية.
تركَ حكمت بك آثارًا مخطوطةً كثيرة عن الحِقْبةِ العثمانية والخِلافة الإسلامية وكذلك عن تاريخِ سوريا ولبنان ودولٍ عديدةٍ أخرى. غير أن الكتابَ الذي به نحتفي اليوم قد يكونُ من أبرزِ مؤلَّفاته.
أما أسلوبُ تحرير وصياغةِ وترتيب صفحاتِ مخطوطة طرابلس الشام، فلافتٌ لبساطتِهِ وسهولةِ قراءتِهِ. وأبرزُ ما يتوقّعُه قارئٌ من كتابِ تاريخ أن يَرفِدَه بمعلوماتٍ تسدُّ ثَغَراتٍ تاريخية؛ وقد أفلحَ مؤلِّفنا في هذا السياق.
* * *
أما فضلُ نفخِ الحياةِ في مخطوطةِ حكمت بك فيعودُ حصرًا إلى محقِّقَين دأبا وأجادا في سعيهِما الجِدّي إلى إحياءِ التراثِ الفكري لفيحائِنا وجِوارِها.
ويا ليتَ الفُرصةَ أُتيحَتْ لي للتعرُّفِ إلى الدكتورة منى حداد يكن، رحماتُ اللهِ عليها، لِما سمِعْتُهُ عنها من تمتُّعِها بخِصالٍ ولا أحمد، وخُلُقٍ ولا أطهر، وعِلمٍ ولا أعمق. غُصتُ في قراءةِ مَن ترجمَ لها، في مقالاتٍ أو شهاداتٍ. تركَتْ جليلتُنا، المربيةُ والأكاديميةُ بامتياز، آثارًا حميدةً كثيرة تنطُقُ بفضلِها: صُروحًا تربوية وأنشطةً إنسانية وخيرية ونسائية وإسلامية، وشغفًا لا يُجارى بالعمَلِ العام للخير العام، متكئةً على دعمِ ومساندةِ قامةٍ ليسَتْ كالقامات، ورَجُلٍ ليس كالرجال، عنَيْتُ شريكَ حياتها الطيّبِ الذِّكر، الدّاعية الكبير المرحوم فتحي يكن. وكان لمؤلَّفها “أبناؤنا بين وسائل الإعلام وأخلاق الإسلام” صدًى كبيرًا في مجتمعنا وكذلك للأبحاثِ والدراساتِ العديدةِ التي أعدّتها وجُلُّها يتمحورُ حول المرأة والإسلاميات بتوجّهٍ إرشاديٍ وتوعوي، دون أن أنسى ذكرَ أطروحتِها حول “الغزالي وإحياءِ علوم الدين” التي ناقَشَتْها في جامعة السوربون في باريس.
أما المحقّقُ الثاني لكتابِنا فهو الأستاذ مارون عيسى الخوري، رحمَهُ الله، الذي ربطَني به وِدادٌ واحترامٌ كبيران. عَمِل الأستاذ مارون صِحافيًا وباحثًا ومترجمًا. كان تقدّميًا ونهضَويًا، شغلَتْهُ كذلك الإنسانية، فسخَّرَ لها ثقافاتِه اللغوية العديدة. وكان، على عِلمِهِ الواسع، وَقورًا ورصينًا، ومتواضعًا ليُصدِقَ القولَ الشائع “إن التواضعَ من شِيَمِ العلماء”. عمِلَ أُستاذُنا في صمتٍ وفي خشوعِ المراجعِ الكثيرةِ التي ارتدَتْها جُدرانُ منزلِه. غير أنه لم يتقوقَعْ، فالأستاذ مارون كان ناشطًا جدًا في جمعياتٍ وروابطَ ثقافيةٍ عديدة. وهو من القلائلِ الذي تحوّل حنينُهُ إلى مسقِطِ رأسِهِ في فلسطين قضيةً فعلاً مركزية، بينما سقطَتْ هذه المركزية عن جدولِ أعمالِ دولٍ عربيةٍ كثيرةٍ.
إن إصدارات الأستاذ مارون عديدة، تمحورت حول الحركات الثقافية في طرابلس خلال القرن التاسع عشر (1982) والمطلب السوسيولوجي عند فرح انطون (1994). وترجمَ كتبًا إلى العربية أبرزُها “الآثار الشرقية”، للمستشرق الفرنسي المؤرخ وأمين المتاحف إرنست بابلون وكتاب “حضارة ما بين النهرين – أشور وبابل”، للمستشرق الفرنسي الرحالة والفنان دو لابورت (1971)” و “قوس قزح” (1978). كما راجع كتاب “الأراضي المقدسة” للرسام ديفيد روبرتس؛ وترك مخطوطةً بحثية ضخمة، بعنوان “الموضوعية في نباتات فلسطين البرية والمزروعة”.
لم يكُنْ تحقيقُ الدكتورة منى والأستاذ مارون لهذا الكتاب، وإصدارُهُ عام 1987، أمرًا يسيرًا، أو تحقيقًا بالمفهومِ الضيّق للكلمة، أي الاكتفاءِ بإعدادِ أو توضيبِ مخطوطةٍ ما للطباعة، وربما إضافةِ فهرست لمضمونها. إن المجهودَ الذي بذلاه هائل، فهما لم يترُكا نصًّا رأَيا وجوبَ توضيحِهِ إلا وتصدّيا له تصدّي الباحثِ النَّهِم، فأثرَياه بإضافةِ تفسيرٍ من هنا ومقارنةٍ من هناك، ساعِيَين ليس فقط لإعطاءِ النصِّ بُعدًا تاريخيًا فحسب، بل لإدراجِهِ في إطارٍ جيوسياسيٍ يُعطي القارئَ فِكرةً متكاملةً عن مضمونِه.
* * *
عرضَ حكمت بك مخطوطتَهُ وكأنها حديقةٌ زاهيةُ الألوان، متنوّعةُ الزّهورِ من زنبقٍ ووردٍ ومنثورٍ ونرجِسٍ وبنفسجٍ ورياحين. تناولَتْ وصفَ جِغرافيا وتاريخِ نشأةِ المدينة وآثارِها وأسماءِ علمائها وشخصياتها، إلى ما هنالك من معلوماتٍ دقيقةٍ تجعلُ من الكتابِ مرجِعًا صادقًا عن تاريخِ تلك الحِقْبة.
وأبرزُ ما في التحقيقِ إضافةُ المحقِقَين لهوامشَ ذات طبيعةٍ تكادُ تكون موسوعِية، في أسفلِ صفحاتِ الكتاب، ميَّزَاها، عن هوامش حكمت بك، بعلامة “نَجمة”، احتوَت على تراجمَ أعلامٍ وشخصياتٍ ووصفٍ دقيقٍ لأماكنَ أو معالمَ وتفسيراتٍ لما ورد في بعضِ نصوصِ المخطوطة. وكلُّ ذلك بأمانةٍ كبيرةٍ حملتْهُما على الإفصاحِ في غيرِ مكانٍ أنهما لم يتمكّنا من العثورِ على معلومةٍ ومرجِعٍ كانا ليشفِيا غليلَهُما البحثي، مؤكدَين، والكلمات لهما:
“لم نسمحْ لأنفسِنا أن نعبَثَ بحرفٍ من حروفِه أو نتصرَّفَ في شيءٍ من مَتنِه…”؛ مع اعترافهِما بأنهما صحَّحا بعضَ النقصِ أو الأخطاءِ العفْويةِ الواردة في النصوص، سواءَ كانت للمؤلِّف أم لغيرِه، ذاكرَيْن الصّوابَ بين معقوفَين. وهذا الاعترافُ الصادق، وإن ينتقِصُ بعضَ الشيءِ من تأكيدِهما عدَمِ العَبَثِ بالنص، هو بحدِّ ذاتِهِ دليلٌ على مدى إسهامِهِما في عمليةِ التحقيقِ العميقة.
ناهيكم عن أن الملاحقَ السبعة التي ضمَّها المحقِّقان، على أساسِ قواسمَ مشترَكةٍ موضوعية، لها فائدةٌ كبيرة؛ منها تعلَّمْتُ الكثير. فمن كيفيةِ توزيعِ المياهِ في طرابلس، وَفقَ قمرياتٍ مع تقسيماتِها إلى شاهياتٍ وقراريط وقمحات، إلى جدولِ نفوسِ لواءِ طرابلس بأقضيتِهِ الأربعة، مُعَدًّا حَسْبَ الطوائف والجنس و “دَخَلَ وخَرَجَ” أو “دَخْل وخَرج” وهو قَطْعُ حسابٍ لما كان اللواءُ، من جهة، يستوفيه من السكان، ومن جهةٍ أخرى، عمّا كانت تلك الإيرادات تُصرَفْ، والويركو، أي الضريبة العثمانية على الأفراد، وجدولِ المواشي في اللواء، وجدولِ الطّرق والجسور وأسماءِ القرى، التي فاقَ عددُها الثمانماية، المنضوية إلى اللواء. وفي جداولَ أخرى، قارنَ المحقِّقان بين أسماءِ حكّامِ طرابلس الشام ووُلاتِها منذُ الفتحِ العثماني إلى أوائلِ القرنِ العشرين، بين ما كان قد كتبَهُ المؤرِّخُ الأب اغناطيوس الخوري لغاية منتصف القرن التاسع عشر، وأعدَّهُ مؤرِّخُنا الكبير، الدكتور عمر تدمري، لغايةِ انتهاءِ حُكمِ المماليك.
* * *
وأخيرًا، لا بدَّ لي قبل أن أختُمَ من إبداءِ ملاحظةٍ حول ما وردَ في الترجمةِ الفرنسيةِ لعنوانِ الكتاب واسمِ مؤلِّفِه. تُرجِمَتْ كلمة “طرابلس الشام” بـ“Tripolis Syrie” ، المعتمَدة في تلك الأيام لتمييزِها عن طرابلس الغربِ. غير أن كلمة “Tripolis”، بإضافةِ حرف الـ “s”، لا تشيرُ إلى أي من الطرَابُلسِيَين، إذ أن كلمة “Tripoli”، دون حرف الـ “s”، هي فعليًا التسمية اليونانية التي أُطلِقَت على طرابُلِسِنا؛ أما “Tripolis” بإضافة الـ “s”، فهي تشيرُ إلى مدينةٍ في اليونان. وكذلك الأمر، سقطَ حرف الـ “M” من اسم “حكمت بك” المخطوط بالفرنسية.



