عربي ودولي

أبو القسام البرغوثي.. فتحاوي يتصدر مفاوضات تحرير الأسرى

منتصف يناير/ كانون الثاني عام 2002، اخترق رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرييل شارون أبرز وقف لإطلاق نار أعلنه الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في الانتفاضة الثانية، وأعطى الضوء الأخضر لاغتيال رائد الكرمي القيادي في كتائب شهداء الأقصى وأحد أبرز مؤسسيها، الأمر الذي أشعل الأوضاع في فلسطين.

وآنذاك، صرّح أمين سر حركة فتح مروان البرغوثي عبر قناة الجزيرة بأن “هذه الجريمة ستدفع شعبنا للرد أكثر مما تتخيله حكومة شارون”.

وبعد ساعات قليلة من اغتيال الكرمي، قتلت كتائب الأقصى (الجناح العسكري لحركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح) جنديا إسرائيليا وأصابت اثنين بجروح قرب نابلس، وتحت شعار “قسما سنثأر”، هددت بمزيد من الانتقام، فنفذت سلسلة من التفجيرات وعمليات إطلاق النار ضد إسرائيل، أسفرت عن مقتل العشرات وجرح المئات.

بعد يومين من الاغتيال، وجه البرغوثي رسالة إلى شارون عبر مقالة كتبها في صحيفة واشنطن بوست الأميركية: “تريد الأمان؟ عليك إنهاء الاحتلال”، وقال للإسرائيليين “إن الاغتيالات التي تنفذها حكومة شارون لن تجلب لكم الأمان”، لكنه كان حريصا على الإشارة إلى أنه “رجل فلسطيني من دعاة السلام”، فهو المُبعد عن فلسطين عام 1987 بسبب دوره في الانتفاضة الأولى، والعائد على رأس أول مجموعة من المبعدين إلى الأراضي المحتلة عام 1994 بموجب اتفاق أوسلو.

استمر الرد الفلسطيني على سياسة الاغتيالات الإسرائيلية لشهور طويلة، وكانت التفجيرات تتوالى في تل أبيب والقدس وعلى والحواجز العسكرية الإسرائيلية، وزاحمت كتائب الأقصى حينها القسام (الجناح العسكري لحركة حماس) في نوعية عملياتها، رغم أنه لم يمض على تكوينها سوى عام، وعادت الاشتباكات إلى شوارع المدن الفلسطينية، فأطلق شارون عملية “السور الواقي” واجتاح الضفة الغربية.

منتصف أبريل/ نيسان 2002، ضجت الصحف الإسرائيلية بصور الأمين العام لحركة فتح مع نبأ اعتقاله، في حين كانت المجنزرات الإسرائيلية تتوغل في جنين، وطولكرم ونابلس ورام الله والخليل وبيت لحم وباقي مدن الضفة الغربية.

أعلن شارون حينها أن البرغوثي “سوف يحاكم على جرائمه”، متهما إياه، “بقتل مئات الإسرائيليين”، أما رئيس هيئة أركانه شاؤول موفاز -الذي كان يقود عملية اقتحام مخيم جنين من مروحية في الجو- فاعتبر اعتقاله “هدية الجيش للإسرائيلي”، ورسمت صحف إسرائيلية أخرى الهيكل التنظيمي لكتائب الأقصى، وعلى رأسه اسم البرغوثي، فهو النائب المنتخب في البرلمان الفلسطيني، وأمين سر حركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح”، واختطف من مناطق السلطة الفلسطينية، الأمر الذي كان مخالفا للاتفاقيات الموقعة بين الاحتلال ومنظمة التحرير.

أما الرئيس السابق لجهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) آفي ديختر -الذي أصبح وزيرا للزراعة حاليا- فكشف أن البرغوثي كان هدفًا للاغتيال قبل اعتقاله لكنه كان في كل مرة ينجو منه.

يوم 15 أبريل/ نيسان 2002، اقتيد مروان البرغوثي إلى معتقل المسكوبية في القدس المحتلة، وهو واحد من أشهر مراكز التحقيق الخاضعة لجهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك)، وآنذاك قابله المحقق “غزال” -الذي حقق معه عام 1978 في زنازين رام الله حين كان فتى- وأخبره أنه أصبح نائبا لرئيس الشاباك حينها، كاشفا عن اسمه الحقيقي “عوفر ديكل”، وقال له: إنها النهاية.

وأمام المحقق غزال، يستذكر البرغوثي تلك اللحظات حين كان طالبا في الثانوية وخاض أول تجربة اعتقال في السجون الإسرائيلية، قائلا: دون وعي تحسست جسدي، تذكرت كم كان صعبا وشاقا في حينه على طالب مدرسة أن يتعرى تماما أمام محقق إسرائيلي، يطلب منه فتح ساقيه وركله بينهما.

يتذكر تلك “الندبة الأبدية” في جبينه، حين ارتطم رأسه في الجدار نتيجة التعذيب، قائلا “تمنيت أن أخبرهم أن ابني قسّام صار رجلا يحمل الراية والفكرة”، مؤكدا أن ما تعرض له خلال التحقيق شيء لا يُذكر أمام ما يتعرض له عشرات الآلاف من الفلسطينيين.

فقد اعتقل “مهندس الانتفاضة” كما يسميه الفلسطينيون، في وقت تزدحم فيه السجون الإسرائيلية وزنازين التحقيق بالأسرى، مما دفع ضباط التحقيق المتقاعدين للعودة إلى العمل، يقول البرغوثي إنهم “أمضوا حياتهم في تعذيب آلاف المناضلين”، ولديهم الخبرة في التعذيب النفسي والجسدي معا.

يعتبر البرغوثي أن التجربة الأخيرة تختلف عن سابقاتها، خاصة أن سنواتها الأولى جاءت في ظل استمرار الانتفاضة الثانية، ووسط مواجهات دامية، وحصار فرضه الاحتلال ضمن عملية “السور الواقي” التي أعلنها شارون بعد يومين من الهجوم الذي نفذه الفلسطيني من طولكرم عبد الباسط عودة يوم 27 مارس/ آذار 2002، بفندق “بارك” في نتانيا شمالي تل أبيب وأسفر عن مقتل 29 إسرائيليا وجرح العشرات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى