حين يمرض الإنسان رغم كل الحب

بقلم// ليلى شحود تيشوري

​المرض النفسي ليس ضعفا في الشخصية ولا خللا في الإرادة ولا دليلا على سوء التربية أو التفكك الأسري فقد ينشأ الإنسان في أسرة محبة ويتلقى أفضل رعاية ومع ذلك يصاب باضطراب نفسي وفق النموذج الحيوي النفسي الاجتماعي الذي يثبت أن الاضطرابات النفسية تنشأ عن تداخل معقد بين عوامل بيولوجية ووراثية ونفسية وبيئية وقد تصيب الإنسان بصرف النظر عن ظروفه الأسرية والاجتماعية.

​وتتنوع هذه الاضطرابات من الاكتئاب والقلق إلى اضطراب ثنائي القطب والاضطرابات الذهانية ولكل منها أعراضها ومعايير تشخيصها وطرق علاجها ولا يصح الحكم عليها من خلال الانطباعات العابرة… بل من خلال تقييم طبي متخصص يضع الأمور في نصابها العلمي.

​لكن المصاب لا يواجه معاناته وحدها فكثيرا ما يجد نفسه أمام أحكام اجتماعية تزيد ألمه اتهامه بضعف الشخصية أو تحميل أسرته مسؤولية مرضه أو الخوف منه لمجرد تشخيصه وقد يواصل حياته وعمله ويبتسم للآخرين فيما يخوض معاناة خفية لا يراها أحد.

​وهنا يبرز تناقض اجتماعي يستحق التوقف عنده لماذا نتقبل أن يتناول مريض السكري دواءه يوميا وأن يحتاج مريض ارتفاع ضغط الدم إلى علاج طويل الأمد بينما ننظر إلى مريض الاضطراب النفسي نظرة مختلفة لمجرد حاجته إلى الدواء؟؟؟

إن الدماغ عضو من أعضاء الجسم واضطراباته مرتبطة ارتباطا وثيقا بالعمليات الاستقلابية والعصبية وتغيرات النواقل في خلاياه وهي تستحق الرعاية الطبية نفسها والاحترام ذاته.

​والمرض النفسي حالة صحية تستوجب التشخيص والعلاج والطبيب النفسي هو المختص بتشخيصها ووصف الأدوية عند الحاجة لإعادة ضبط الكيمياء الحيوية والدعم الاستقلابي العصبي للدماغ وقد يكون العلاج نفسيا تكامليا يمنح المريض أدوات حقيقية للتعامل مع أفكاره أو دوائيا أو يجمع بينهما بحسب طبيعة الاضطراب واستجابة المريض.

​إن مسؤولية الأسرة والمجتمع أن يقدما المساندة وليس الاتهام والاحتواء وليس السخرية وأن يتوقفا عن استخدام أسماء الاضطرابات النفسية كشتائم أو أحكام على أصحابها فالتشخيص ليس وصمة وتناول الدواء ليس انتقاصا وطلب المساعدة ليس عيبا بل خطوة أولى نحو الشفاء.

​نحتاج إلى ثقافة صحية تدرك أن الدماغ قد يصاب باضطرابات تؤثر في وظائفه واستقلابه وتنعكس على التفكير والمزاج والسلوك وأن الوعي بطبيعته والتشجيع على طلب العلاج خطوات أساسية لحماية المريض من المعاناة ومن الوصمة الاجتماعية معا.

​قد يكون الإنسان محاطا بكل أسباب الحب والأمان ومع ذلك يمرض فالمرض النفسي ليس ذنبا ولا حكما على قيمة الإنسان بل حالة صحية تستحق الفهم والتشخيص والعلاج لا المحاكمة الاجتماعية.

 

Exit mobile version