أوروبا بين كلفة الحرب وحسابات السياسة الأميركية…

بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد 

ما بعد المغامرات السياسية ليس كما قبلها…

أوروبا التي دخلت بقوة في مواجهة سياسية واقتصادية مع روسيا، على خلفية الحرب في أوكرانيا، وجدت نفسها أمام فاتورة ثقيلة لم تكن حساباتها الأولية كافية لتقدير حجمها.

فقد انعكست تداعيات الحرب والعقوبات والتحولات في أسواق الطاقة على إمداداتها وتكاليفها، وواجه مواطنوها موجات من ارتفاع الأسعار وضغوط معيشية أثقلت اقتصاداتهم وأثارت تساؤلات حول جدوى الخيارات التي اتخذها بعض قادتهم.

لم تكن المسألة مجرد موقف من روسيا أو تضامن مع أوكرانيا، بل كانت أيضاً اختباراً لقدرة أوروبا على حماية مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، وعدم تحويل قراراتها السياسية إلى أعباء يتحملها مواطنوها.

وفي المقابل، لم تكن الولايات المتحدة بمنأى عن الحسابات نفسها. فالرئيس الأميركي الذي خاض مواجهات خارجية، ورفع سقف مواقفه، وجد نفسه أمام امتحان الداخل الأميركي، حيث جاءت صناديق الاقتراع برسالة سياسية واضحة، عكست حجم الاعتراض على إدارة الاقتصاد وارتفاع تكاليف المعيشة والسياسات المتبعة.

إن خسارة الأغلبية في الكونغرس لا تعني نهاية الولاية الرئاسية، لكنها تعني أن مرحلة جديدة من المحاسبة السياسية قد بدأت، وأن القرارات الأميركية لن تكون بالسهولة نفسها التي عرفتها الإدارة في المرحلة السابقة.
وهنا، لا بد من أن يعيد بعض القادة الأوروبيين، ومعهم أولئك الذين اندفعوا خلف حسابات سياسية لم يدرسوا نتائجها بما يكفي، النظر في خياراتهم.

فالسياسة ليست استعراضاً للقوة، والحروب ليست ساحات لتصفية الحسابات، والشعوب ليست مطالبة بدفع أثمان طموحات السياسيين وأخطائهم.

لقد آن الأوان لكي يتوقف بعض المراهقين في السياسة عن التعامل مع مصائر الدول بمنطق المغامرة، وأن يدركوا أن الدول لا تُقاد بالانفعالات، وأن المصالح الوطنية لا يجوز أن تكون رهينة حسابات الآخرين.

فالتاريخ لا يحاسب القادة على الشعارات التي أطلقوها، بل على النتائج التي تركوها لشعوبهم.

Exit mobile version