الرفاعي: لرفض الفتنة في خطابنا والفساد في سلوكنا والظلم في مواقفنا

أشار مفتي محافظة بعلبك الهرمل الشيخ الدكتور بكر الرفاعي إلى ان “من رحمة الله بعباده أن شرع لهم من الأحكام ما يحفظ دينهم وكرامتهم، ولم يتركهم يواجهون الفتن بلا هداية أو حماية. فالإيمان ليس مجرد امتناع عن المعصية عند وقوعها، بل هو وعيٌ يسبقها، وحكمةٌ تُبعد الإنسان عن أسبابها، وتقوى تدفعه إلى إغلاق أبواب الشر قبل أن تضعف إرادته. فليس من الحكمة أن يعرّض المرء نفسه للفتنة ثم يراهن على قوته، وإنما الحكمة أن يعرف مواطن ضعفه ويحسن الوقاية منها”.

وقال في خطبة الجمعة: “لقد اختار القرآن الكريم تعبيرًا دقيقًا حين قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ﴾، فلم ينهَ عن الفاحشة وحدها، بل نهى عن الاقتراب من طريقها؛ لأن الانحراف قد يبدأ بخطوات صغيرة تتراكم حتى يصعب التراجع عنها. وهكذا تعلّمنا الشريعة أن نحمي قلوبنا وأخلاقنا وعلاقاتنا، وأن نقطع أسباب الانزلاق قبل أن تتعقد الأمور. فالمؤمن لا يجعل حدود الله موضع اختبارٍ دائم، بل يتعامل معها باعتبارها سياجًا يحفظ دينه وكرامته”.

ولفت إلى أن “الفتنة ليست دائمًا صدامًا في الشوارع، أو اقتتالًا بالسلاح؛ فقد تبدأ بفكرة مضللة، أو خطاب يحرض على الكراهية، أو إغراء يضعف القيم، أو سلطة تستغل ضعف الناس. والوعي الحقيقي أن نغلق أبواب الفتنة قبل أن تتحول إلى واقع يهدد الإنسان والمجتمع، وأن ندرك أن حماية الأخلاق والحقوق مسؤولية فردية ومؤسساتية معًا”.

ورأى أن “من مشاهد الأمل في مواجهة الفتن، ما يحمله الدعم العراقي لترميم المسجد الأموي ومقام السيدة زينب في شام العز من دلالة تتجاوز الحجر والعمران؛ إذ يمكن لهذه المبادرات أن تسهم في ترميم العلاقات بين المسلمين، بعد سنوات مثقلة بالدماء والفتن والانقسامات. فالمساجد والمعالم الدينية ينبغي أن تكون جسورًا للتلاقي، لا ساحات للتنازع، وأن تتقدم لغة الإعمار والمصالحة على خطاب الثأر والكراهية”.

وفي الشأن السياسي، قال: “في دولة الاحتلال، تتجدد الانتخابات وتتبدل الوجوه، لكن المعيار ليس اسم الحاكم ولا شعاره، بل السياسات والوقائع على الأرض. فما دامت معاناة الفلسطينيين مستمرة، والأرض محتلة في فلسطين ولبنان وسوريا، والغزاويون يواجهون آثار الحرب والحصار والدمار، والانتهاكات بحق المسجد الأقصى متواصلة، فإن تغيير الحكومات وحده لا يعني تغيير النهج. والعدل لا يُقاس بصناديق الاقتراع وحدها، بل باحترام حقوق الشعوب وإنهاء الاحتلال”.

وأضاف: “أما في مشهد الدولة، فإن مظاهر الفساد الإداري والمالي والسياسي لا تُعالج بالشعارات، بل بالمساءلة وتكافؤ المسؤولية. ومن علامات الخلل أن يحظى بعض المسؤولين وأفراد عائلاتهم بحماية أمنية تفوق ما يحتاج إليه عشرون مسؤولًا، فيما تُترك مرافق عامة، ومنها مرافق في الجامعة اللبنانية، ليلًا عرضة للعبث والتخريب. فالدولة التي لا تحمي مؤسساتها ولا توحّد معاييرها، تضعف ثقة الناس بها وتفتح أبواب الهدر والفوضى”.

واعتبر أنّ “من أخطر وجوه الخلل أن تتراجع الجامعة الرسمية والمستشفيات الحكومية، بينما تتوسع أعباء التعليم والاستشفاء الخاص على الفقراء. إن تقوية القطاعين العامين ليست حربًا على المؤسسات الخاصة، بل واجب في ضمان تكافؤ الفرص وصون حق الناس في التعليم والعلاج. وحين تُدار الموارد العامة بمنطق المحاصصة والمصالح الضيقة، يصبح الفقير أول من يدفع الثمن، وتتحول الحقوق الأساسية إلى امتيازات لا ينالها إلا القادرون”.

وأكد أن “العالم يشهد تحولات تعيد تشكيل خرائط السياسة وموازين القوة، بعد أكثر من قرن من الحروب والاضطرابات والتوسع المالي والفساد. وقد أظهرت التجارب حدود نماذج ليبرالية قديمة وحديثة حين تنفصل الحرية عن العدالة الاجتماعية، وتُترك الثروة والسلطة بلا ضوابط كافية. والتحدي اليوم ليس استبدال شعار بشعار، بل بناء نظام يوازن بين الحرية والمسؤولية، وبين المبادرة الفردية والعدالة، ويضع الإنسان فوق مصالح الاحتكار والهيمنة”.

وأردف: “الحل لا يكون بالفوضى ولا بتقديس السلطة، بل بنظام عادل، محكوم بالقانون، قائم على مؤسسات فاعلة ورقابة ومحاسبة، تُقدَّم فيه مصلحة العباد والبلاد على المصالح الشخصية والطائفية. فالدولة ليست ملكًا لمسؤوليها، والمال العام ليس غنيمة، والمؤسسات ليست مزارع خاصة؛ إنما هي أمانة لخدمة الناس وحماية كرامتهم وصون مستقبل أبنائهم”.

وختم الرفاعي: “من هنا تبدأ مسؤوليتنا: أن نرفض الفتنة في خطابنا، والفساد في سلوكنا، والظلم في مواقفنا، وألا نمنح الثقة بلا مساءلة، ولا نسمح لليأس أن يعطل الإصلاح. فكما يحتاج القلب إلى تقوى تحميه من الانحراف، تحتاج الدولة إلى عدالة تحميها من الاستبداد، ومؤسسات تحميها من الفوضى، ومواطنين يدركون أن الإصلاح يبدأ بالوعي، ويثبت بالعمل والمحاسبة”.

Exit mobile version