بقلم// خضر رسلان
في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، يأتي الاجتماع الرباعي في طهران، بمشاركة إيران والسعودية وتركيا وباكستان، ليطرح سؤالاً يتجاوز حدود اللقاء الدبلوماسي: هل تستطيع دول المنطقة أن تنتقل من موقع التأثر بالصراعات إلى موقع التأثير في مساراتها، وأن ترسم لنفسها معادلة أمنية وسياسية أكثر استقلالاً؟
لا يمكن النظر إلى هذا الاجتماع باعتباره لقاءً عابراً، في ظل التحديات التي تواجه المنطقة، من التوترات المرتبطة بإيران، إلى الاعتداءات الإسرائيلية، وصولاً إلى المخاطر التي تهدد أمن الخليج واستقرار الممرات الحيوية. فالدول الأربع، على الرغم من اختلاف حساباتها وعلاقاتها الدولية، تمتلك من الثقل السياسي والجغرافي ما يتيح لها فتح نقاش جدي حول مستقبل المنطقة، إذا توافرت الإرادة المشتركة لتحويل التقارب إلى خطوات عملية.
وتكمن أهمية هذا المسار في أن أمن المنطقة لا يمكن أن يبقى رهينة التفاهمات الخارجية وحدها، ولا أن تُترك قضايا شعوبها لموازين القوة التي تفرضها الأطراف الأكثر قدرة على التصعيد. فالتفاهم الإقليمي الحقيقي يبدأ من إدراك أن استقرار دولة لا يمكن أن يتحقق على حساب أمن دولة أخرى، وأن إدارة الخلافات بالحوار أقل كلفة من تركها تتراكم حتى تتحول إلى أزمات مفتوحة.
لكن الطريق أمام الدول الأربع ليس سهلاً؛ فاختلاف الأولويات، وتباين التحالفات، وتعارض المصالح في بعض الملفات، كلها تحديات تتطلب إرادة سياسية تتجاوز حدود المجاملات الدبلوماسية. كما أن نجاح الاجتماع لا يُقاس بمجرد انعقاده، بل بما يمكن أن ينتج عنه من آليات للتنسيق والتعاون ومنع التصعيد.
وتبقى قضايا فلسطين ولبنان وأمن الخليج من الاختبارات الأساسية لأي توجه إقليمي جديد، لأن الحديث عن استقرار المنطقة لا يكتمل إذا بقيت الاعتداءات الإسرائيلية خارج أي معالجة جدية، أو استمرت بعض الدول في دفع أثمان صراعات لا تملك وحدها قرار إنهائها.
إن اجتماع طهران يفتح نافذة سياسية تستحق المتابعة، لكنه لا يحسم مسبقاً طبيعة المرحلة المقبلة. فإما أن يتحول إلى بداية لمسار إقليمي يوسّع قدرة دول المنطقة على حماية مصالحها وصياغة مستقبلها، وإما أن يبقى خطوة محدودة في مشهد تتنازع فيه القوى الإقليمية والدولية على النفوذ.
المسألة اليوم ليست في ما إذا كانت الدول الأربع قادرة على الاجتماع، بل في ما إذا كانت قادرة على تحويل اجتماعها إلى إرادة سياسية مشتركة، تجعل المنطقة شريكاً في تقرير مصيرها، لا مجرد ساحة تتقرر فيها مصائر الآخرين.
