هناك من يدفع ثمن موقفه،
وهناك من يقبض هذا الثمن…
وبين الاثنين فرقٌ شاسع، لا يُقاس بالمال ولا بالمكاسب، بل بالقيمة الإنسانية والأخلاقية لكلّ منهما.
بقلم العميد الركن المتقاعد د جوزف س.عبيد
فمن يدفع ثمن موقفه، غالبًا ما يدفع من راحته، من استقراره، من فرصه، وربما من مستقبله أيضًا. يدفع لأنه رفض أن يساوم، ورفض أن يبيع قناعته في سوق المصالح. قد يخسر منصبًا، أو نفوذًا، أو حماية، لكنه يبقى رابحًا لشيء أعظم: كرامته واحترامه لنفسه.
أما من يقبض الثمن، فغالبًا لا يقبض مالًا فقط، بل يقبض مقابل صمته، أو تبدّل مواقفه، أو تخلّيه عن المبادئ عند أول إغراء أو تهديد. وهنا تصبح القضية أخطر من مجرد اختلاف بالرأي، لأنها تتحول إلى تجارة بالضمير، وإلى مقايضة بين الكرامة والمنفعة.
الكرامة ليست شعارًا يُرفع عند الحاجة، بل ثمنٌ يدفعه أصحاب المواقف كل يوم.
والتاريخ لم يخلّد يومًا من باعوا مواقفهم، بل حفظ أسماء الذين دفعوا الثمن لأنهم رفضوا الانحناء.
قد يبدو صاحب الموقف خاسرًا في لحظة معينة، لأن الضغوط عليه أكبر، ولأن الطريق الأصعب يكون دائمًا من نصيب أصحاب المبادئ. لكن الزمن وحده يكشف الحقيقة؛ فهناك من يعيش مرتاح الجسد ومتعب الضمير، وهناك من يتعب في حياته لكنه ينام وضميره مرتاح.
الفرق كبير جدًا بين إنسان يدفع ثمن كرامته دفاعًا عن قناعته، وبين آخر يقبض ثمن التخلي عنها.
الأول قد ينكسر ماديًا لكنه يبقى مرفوع الرأس،
أما الثاني فقد يربح الكثير… إلا نفسه.
وشتّان فعلًا،
بين من يعيش الكرامة،
ومن يعيش على ثمنها.
