ضهر البيدر… بين المتفجرات وهيبة الدولة والانقسام اللبناني…

بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد

اللغط القائم اليوم في لبنان، وما يرافقه من مزيد من الانقسام، يطرح سؤالًا مؤلمًا: أما كان يكفينا ما نحن فيه من تمزق وتفتت، حتى تتحول حادثة أمنية جديدة إلى مادة إضافية لتبادل الاتهامات ورفع منسوب التوتر؟
ضُبطت شحنة كبيرة من المتفجرات في منطقة ضهر البيدر، كانت في طريقها نحو بيروت، فأسرعت القوى السياسية والإعلامية، على اختلاف انتماءاتها، إلى التحليل والاستنتاج. هناك من اتهم حزب الله بنقل المتفجرات إلى الداخل، وبدأت تحليلات تتحدث عن احتمال وقوع اغتيالات واستهداف شخصيات مناهضة للحزب. في المقابل، أعلن مسؤولون في الحزب أن المتفجرات مرتبطة بأعمال المقاومة.

وهكذا، بدل أن ننتظر نتائج التحقيق، وجدنا أنفسنا أمام روايات متعارضة، واحتمالات خطيرة، ومخاوف تعيد اللبنانيين إلى ذاكرة الاغتيالات والصراعات التي دفعوا أثمانها غاليًا.

وأقول بوضوح: ما يأتي ليس دفاعًا عن حزب الله، ولا اتهامًا له، بل محاولة لقراءة المسألة بتجرد وواقعية، انطلاقًا من الوقائع والقانون ومصلحة الدولة اللبنانية.
أولًا: هل ما زلنا نطبق اتفاق الطائف؟

اتفاق الطائف ليس نصًا انتقائيًا، نتمسك ببعض بنوده حين تخدم مواقفنا، ونتجاهل البنود الأخرى حين تتعارض معها. لقد نصت وثيقة الوفاق الوطني على بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، وحل الميليشيات وتسليم أسلحتها إلى الدولة، كما تناولت مواجهة الاحتلال الإسرائيلي وتحرير الأرض. ومن هنا، فإن الاستناد إلى الطائف لتبرير أي واقع مسلح خارج مؤسسات الدولة يحتاج إلى قراءة شاملة للوثيقة، لا إلى اجتزاء ما يلائم كل فريق.

وإذا كان الحزب يعتبر أن نقل المتفجرات يدخل في إطار المقاومة، فإن هذا الموقف وحده لا يحسم قانونية الشحنة أو مشروعيتها. فالأمر يتطلب معرفة طبيعة المواد، والجهة التي أرسلتها، والجهة التي كانت ستتسلمها، والغرض من استخدامها، وما تقوله القوانين والقرارات النافذة بشأنها.
ثانيًا: ماذا تفعل الدولة أمام هذه الواقعة؟

هنا تبرز احتمالات عدة، لا بوصفها خيارات متساوية في القانون، بل بوصفها مسارات تكشف طبيعة المأزق اللبناني.
المسار الأول هو استكمال التحقيق، وتحديد المسؤوليات، ثم اتخاذ الإجراءات القضائية المناسبة بحق كل من تثبت مخالفته للقانون. أما مصير الشحنة والموقوفين، فيجب أن يُحسم وفق الأصول القضائية، لا وفق التسويات السياسية أو الضغوط الحزبية.

المسار الثاني هو أن تتراجع الدولة عن المتابعة، أو أن تُطوى القضية بفعل تسوية سياسية، فتبدو وكأنها تتعامل مع حادثة خطيرة بمعيارين مختلفين: معيار يُطبق على المواطنين، وآخر يُعتمد عندما تكون الجهة المعنية قوة سياسية أو عسكرية نافذة. وفي هذه الحالة، لن تكون الخسارة مجرد ملف أمني أُقفل، بل ستكون خسارة جديدة لثقة الناس بالدولة.

أما المسار الثالث، فهو أن تطبق الحكومة قراراتها المتعلقة بحصر السلاح والأنشطة العسكرية والأمنية بيد الدولة، وأن تتعامل مع أي نشاط خارج المؤسسات الشرعية وفق القانون. لكن هذا المسار يطرح سؤالًا يتجاوز إصدار القرارات: هل تستطيع الدولة تنفيذها بصورة فعلية ومتوازنة، من دون أن تدفع البلاد إلى مواجهة داخلية جديدة؟

ثالثًا: هل تستطيع الحكومة محاسبة حزب الله؟
هذا هو السؤال الأصعب، وربما جوهر الأزمة كلها.
إذا كانت الدولة قد اتخذت قرارات تعتبر الأنشطة العسكرية والأمنية للحزب خارج القانون، فإن التحدي لا يعود محصورًا في الموقف السياسي، بل يصبح متعلقًا بقدرة المؤسسات على تطبيق القانون. وقد أعلنت الحكومة اللبنانية في 2 آذار 2026 حظر الأنشطة العسكرية والأمنية للحزب، والمطالبة بحصر نشاطه في المجال السياسي ضمن الأطر القانونية والدستورية. وهذا يجعل السؤال اليوم متعلقًا بكيفية تنفيذ القرارات القائمة، لا بمجرد افتراض غيابها.

لكن هل تكفي القرارات الحكومية وحدها لتغيير الواقع؟ وهل تملك الدولة القدرة السياسية والأمنية والقضائية على فرضها؟ وإذا كانت تملكها، فهل ستستخدمها وفق خطة واضحة، وبما يمنع الانتقائية ويضمن خضوع الجميع للقانون؟

إن تجريم فعل محدد، أو ملاحقة أشخاص، أو مصادرة مواد محظورة، يختلف قانونيًا عن اتخاذ قرار بحظر نشاط تنظيم بكامله أو حل حزب سياسي. ولكل إجراء شروطه وصلاحياته وآلياته، ولا يجوز الخلط بينها. فالمحاسبة يجب أن تستند إلى أدلة وإجراءات قضائية، لا إلى الانتماء السياسي وحده.

رابعًا: بين الخوف من الاغتيالات والخوف من الانفجار الداخلي.

إن الحديث عن احتمال اغتيالات جديدة، قبل أن يكشف التحقيق عن أدلة تثبت وجود مخطط من هذا النوع، يزيد القلق الشعبي ويهيئ المناخ لمزيد من الاتهامات المتبادلة. وفي المقابل، فإن تجاهل المخاوف الأمنية أو الاستخفاف بوجود شحنة كبيرة من المتفجرات ليس تصرفًا مسؤولًا أيضًا.

المطلوب هو تحقيق جدي وشفاف، يكشف الوقائع للرأي العام بالقدر الذي تسمح به مقتضيات التحقيق، ويحدد المسؤوليات من دون تسييس أو انتقام. فلا يجوز أن تتحول المتفجرات إلى مادة للاستثمار السياسي، ولا أن يتحول شعار المقاومة إلى إعفاء مسبق من المساءلة، ولا أن تصبح هيبة الدولة مجرد عنوان يُرفع في وجه خصم ويُخفض أمام حليف.

أخيرًا: من يحمي لبنان من ازدواجية الدولة؟

المشكلة اللبنانية ليست في شحنة متفجرات وحدها، بل في السؤال الذي تطرحه هذه الشحنة عن معنى الدولة، وحدود سلطتها، ومصير القرارات التي تصدر عنها.
لا يمكن أن تستقيم دولة إذا كان القانون يُطبق على الضعيف ويُفاوض القوي، كما لا يمكن أن تستقر إذا تحولت معالجة كل مخالفة إلى مواجهة سياسية أو طائفية. وفي الوقت نفسه، لا يمكن بناء السيادة على التسويات التي تُفرغ القرارات الرسمية من مضمونها.

لسنا أمام خيارين فقط: إما التغاضي وإما الحرب الداخلية. هناك طريق ثالث، هو أن تمارس الدولة صلاحياتها، وتُخضع الوقائع للتحقيق، وتطبق القانون على الجميع، وتتحمل مسؤولية قراراتها، بالتوازي مع معالجة الأسباب السياسية والأمنية التي تجعل مسألة السلاح مصدرًا دائمًا للنزاع.

فإذا ثبت أن الشحنة مرتبطة بنشاط غير قانوني، وجبت المحاسبة. وإذا لم تثبت الاتهامات المتداولة، وجب تصحيحها. وإذا كانت هناك ثغرات في القوانين أو تناقضات في القرارات، فعلى المؤسسات الدستورية معالجتها بوضوح، لا تركها وقودًا للانقسام.

السؤال الذي ينبغي أن يواجهه اللبنانيون اليوم ليس فقط: لمن كانت المتفجرات، وإلى أين كانت متجهة؟ بل أيضًا: هل نحن أمام دولة تقرر وتنفذ، أم أمام سلطات تتخذ القرارات فيما يبقى تنفيذها رهينة موازين القوى؟

إن هيبة الدولة لا تُقاس بقدرتها على إصدار القرار، بل بقدرتها على تطبيقه على الجميع. والسيادة لا تُبنى بالشعارات، بل بوحدة المرجعية الأمنية والقانونية. أما لبنان، الذي أنهكه الانقسام، فلا يحتاج إلى اتهامات تسبق الأدلة، ولا إلى تسويات تسبق العدالة، بل إلى حقيقة كاملة ودولة لا تخضع إلا للدستور والقانون.

Exit mobile version