ألقى العلامة السيد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين في حارة حريك، في حضور عدد من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين. ومما جاء في خطبته السياسية:
“عباد الله أوصيكم وأوصي نفسي بما أوصى به الله سبحانه وتعالى نبيّه (ص) عندما قال: أَوْصَانِي رَبِّي بِتِسْعٍ. أَوْصَانِي بِالْإِخْلَاصِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَبِالْعَدْلِ فِي الرِّضَى وَالْغَضَبِ، وَبِالْقَصْدِ فِي الْغِنَى وَالْفَقْرِ، وَأَنْ أَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَنِي، وَأُعْطِيَ مَنْ حَرَمَنِي، وَأَصِلَ مَنْ قَطَعَنِي وَأَنْ يَكُونَ صَمْتِي فِكْرًا، وَنُطْقِي ذِكْرًا، وَنَظَرِي عِبَرًا.
فلنستوصي بوصايا الله لرسوله (ص)، والّتي هي أهمّ الوصايا بأن نكون من المخلصين، أن لا نعيش الازدواجيّة بين ما نؤمن وما نمارس، أو أن تكون نظرة النّاس معيارًا لأفعالنا، وأن نكون من العادلين مع عباده، فلا تتحكّم العواطف والمصالح في أحكامنا، بأن يدفعنا الحبّ إلى المحاباة والغضب إلى الظّلم، والاعتدال في التّصرّف، بأن لا يقودنا الغنى إلى الإسراف، والفقر إلى فقدان التّوازن.
وأن نرتقي في علاقاتنا الإنسانيّة بأن نغفر عمّن ظلمنا، ولا نجعل إساءة الآخر تحدّد مستوى أخلاقنا، وأن نعطي من حرمنا بأن يكون الإحسان نابعًا من قيمنا ومبادئنا، لا مكافأة على إحسان الآخرين، أن نصل من قطعنا فلا تتحوّل الضّغينة إلى قاعدة دائمة تحكم علاقتنا الإنسانيّة.
وأن نتحلّى بالوعي في التّفكير والكلام والنّظر، بأن يكون الصّمت ليس فراغًا بل فرصة للتّأمّل ومراجعة النّفس، وألّا يكون الكلام عبثًا أو إيذاءً، بل واعيًا ومعبّرًا عن الخير والحقّ والعدل وأن لا ننظر إلى ظواهر الأحداث، بل نفهم مدلولاتها واستخلاص الدّروس والعبر منها.
إنّنا متى وعينا هذه الوصايا الغالية والثّمينة الآتية من ربّ رحيم غفور سنكون أكثر وعيًا ومسؤوليّة وقدرة على مواجهة التّحدّيات”.
وتحدث السيد فضل الله عن “الاعتداءات الإسرائيليّة الّتي لا تتوقّف في الجنوب اللّبنانيّ في الغارات على الأماكن المحاذية لمواقع احتلال العدوّ، فيما يستمرّ العدوّ بسياسته الّتي يتّبعها ويصرّ عليها بتفجير المباني والبنى التّحتيّة والمؤسّسات في القرى والبلدات الّتي يحتلّها، والّتي بات من الواضح أنّ الهدف منها هو تثبيت احتلاله لها ومنع أهلها من العودة إليها، والّذي يعلن عنه تكرارًا وهو ما صرّح به وزير حربه أخيرًا، أنّه لن ينسحب من المواقع الّتي احتلّها في لبنان وفي سوريا واعتبارها مناطق أمنيّة له”.
وشدد على انه “ينبغي أن يبقى الحذر من قيام العدوّ بأيّ عمل عسكريّ يهدف من ورائه إلى توسيع دائرة احتلاله أو القيام بغارات أبعد من المناطق الّتي يستهدفها الآن”. وقال :”إنّنا أمام ما يجري نعيد دعوة الدّولة اللّبنانيّة المعنيّة ببسط سيادتها على كامل تراب هذا الوطن، إلى القيام بالدّور المطلوب منها بحمايته والعمل على إيقاف هذا النّزيف اليوميّ الّذي تعاني منه القرى والبلدات الّتي يحتلّها العدوّ أو المحاذية لها وعدم الاستباحة لسيادته على أرضه وأجوائه، حتّى يشعر اللّبنانيّون أنّهم يعيشون في ظلّ دولة قادرة على أن تحميهم وتقيهم من المخاطر الّتي يتعرّضون لها، أن لا تتركهم يعانون وحدهم عندما تواجههم الأزمات وتعصف بهم التّحدّيات، وفي مقدّم ما نواجهه اليوم هو الاحتلال الّذي لا تزال تفتقد الدّولة في مواجهته الحراك المطلوب والخطوات الّتي تعكس حجم الخطر والمسؤوليّة الملقاة على عاتقها، ما يبقي البلد بانتظار ضغوط تمارس على العدوّ والّتي قد لا تأتي”.
وبالنسبة النّازحين، دعا السيد فضل الله الدّولة إلى “القيام بالدّور المطلوب منها تجاههم، أن يكون لها الدّور الأساس في ذلك، فهؤلاء من حقّهم على دولتهم أن تؤمّن لهم ما يستعينون به على متابعة حياتهم بكرامة بعدما أخرجوا من ديارهم، وفقد كثير منهم بيوتهم وأرزاقهم ومصادر عيشهم، فالدّولة مطالبة أن تؤمّن لهم مقوّمات الصّمود والعودة متى أمكن ذلك، وأن تكون هي ملجأهم وملاذهم، فهذا حقّ لهم وليس منّة منها عليهم”.
ونوه السيد فضل الله “بكلّ المبادرات الّتي قامت بها على هذا الصّعيد جهات وتقوم بها جمعيّات ومؤسّسات وأفراد في الدّاخل والخارج، والّتي تستحقّ كلّ تقدير وامتنان ووعي منهم لمسؤوليّتهم إزاءهم، لكنّها لن تكون بديلًا عن الدّور الّذي على الدّولة القيام به”.
وجدد دعوته للحكومة، و”أمام استمرار تفاقم الوضع الاقتصاديّ والمعيشيّ على كلّ الصّعد”، إلى “الإسراع بالقيام بالإجراءات الكفيلة بالتّخفيف من الأعباء عليهم بتعزيز جادّ وفعّال للرّقابة على أسعار السّلع والمواد الغذائيّة والاستشفاء، ومولّدات الكهرباء والماء والنّقل، وتوفير فرص العيش الكريم لمواطنيها للطّبقات الفقيرة ممّن باتت غير قادرة على أن تؤمّن قوت يومها أو الدّواء والاستشفاء أو السّكن، واعتماد سياسة ماليّة جدّيّة تعود بالفائدة على الخزينة من دون أن تضغط على جيوب اللّبنانيّين”.
أضاف :”ونحن في الوقت الّذي ندعو الدولة إلى القيام بالدّور المطلوب منها، ندعو إلى تعزيز التّكافل الاجتماعيّ بين اللّبنانيّين والتّعاون في ما بينهم والتّراحم لمواجهة الواقع المعيشيّ الصّعب، بألا يستغل أحد حاجة من يحتاج إليه لتوفير سكن أو استشفاء أو دواء وأن يكون بلسمًا لآلامه ومعاناته لا أن يزيد منها”.
وتطرق الى ما يجري في المنطقة، “حيث تزداد الخشية من تجدّد الحرب بين الجمهوريّة الإسلاميّة والولايات المتّحدة الأميركيّة والكيان الصّهيوني، فيما تتصاعد الحرب الدّائرة في اليمن، بكلّ انعكاساتها وتداعياتها على أمن هذه المنطقة، ما يدعو الدّول العربيّة والإسلاميّة إلى بذل جهودهم لاحتواء ما يجري وإيقاف هذا النّزيف والّذي يراد منه إضعاف أيّ موقع من مواقع القوّة فيها، ما يسمح لمن يريدون الهيمنة عليها والإمساك بقرارها أن يجدوا طريقهم لذلك”.
وختم فضل الله :”ولا ننسى وسط كلّ ذلك ما يجري في فلسطين، حيث تستمرّ معاناة الشّعب الفلسطينيّ في غزة رغم وقف إطلاق النار، فيما يستمر الحصار عليها، وهو ما يستكمل في الضّفّة الغربيّة والقدس. إننا إزاء ما يجري نضع الضّمير الإنسانيّ والمجتمع الدّوليّ أمام مسؤوليّة تاريخيّة، للضّغط على الكيان الصّهيونيّ ومنعه من الاستمرار في ممارساته العدوانيّة بحقّ هذا الشّعب وحفظ حقوقه المشروعة وحقّه بالعيش الكريم داخل أرضه”.
