أي وطن نريد أن نبني؟

بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد

ما نشهده اليوم لا يشير، بأي شكل من الأشكال، إلى أننا نريد بناء وطن، أو القضاء على الفساد، أو إعطاء المواطن حقه الطبيعي في العيش الكريم.
الوطن ليس مجرد حدود وعلم ونشيد. الوطن هو أن يشعر الإنسان أن له قيمة، وأن كرامته مصانة، وأن الدولة موجودة لحمايته لا لإذلاله. أن نمنع عنه القهر والحزن والسقوط، وأن نجعل منه إنسانًا يفتخر بأنه وُلد في لبنان، بدل أن يلعن الساعة التي وُلد فيها.
بناء الوطن يبدأ ببناء الإنسان.
ولكي نبني إنسانًا صالحًا، علينا أولًا أن نوفر له سبل العيش بكرامة. الإنسان الذي يعيش مكسورًا، عاجزًا عن تأمين أبسط حقوقه، ويرى أمامه من جمع الثروات بطرق لا يستطيع تفسيرها، لن يكون من السهل أن نطلب منه الإيمان بالدولة أو بالقانون أو بالمستقبل.
ما نشهده اليوم لا يزرع في نفوس اللبنانيين أي أمل ببناء وطن. بل على العكس، تتسع يومًا بعد يوم مساحة التهميش والفوارق بين مواطن معدم، يكافح لتأمين لقمة عيشه، ومواطن يعيش في ثراء فاحش.
وهنا السؤال الذي يجب أن يُطرح بجرأة:
ألا يحق لنا أن نسأل: من أين لكم هذا؟
كيف يمكن لموظف أن يمتلك القصور والعديد من الفلل والشقق والعقارات، وربما ممتلكات خارج لبنان، وصولًا إلى الفنادق والاستثمارات، بينما موظف آخر مثله تمامًا، يحمل الوظيفة نفسها ويتقاضى راتبًا مماثلًا، يعيش معدمًا، عاجزًا عن تأمين أبسط مقومات الحياة؟
لا يكفي أن نتحدث عن مكافحة الفساد في الخطب والبيانات. مكافحة الفساد تبدأ عندما يصبح السؤال: من أين لك هذا؟ سؤالًا طبيعيًا لا يخيف أحدًا، وعندما يخضع الجميع، دون استثناء، للقانون والمساءلة.
ومن بناء الوطن أيضًا حماية حق اللبناني في العمل. فليس من المنطقي أن يبقى المواطن اللبناني عاطلًا عن العمل أو عاجزًا عن تأمين لقمة عيشه، بينما تُترك بعض مجالات العمل مفتوحة أمام العمالة الأجنبية في وظائف يستطيع اللبناني القيام بها. المطلوب ليس ظلم العامل الأجنبي أو حرمانه من حقه المشروع، وإنما تطبيق قانون العمل بعدالة وحزم، بحيث تكون الأولوية لليد العاملة اللبنانية في الأعمال التي يستطيع اللبنانيون القيام بها، وألا تُستقدم العمالة الأجنبية إلا عندما تكون هناك حاجة فعلية إليها أو عندما لا تتوافر الكفاءات واليد العاملة اللبنانية القادرة على القيام بهذا العمل.
فما قيمة أن نطالب الشاب اللبناني بالبقاء في بلده، ونطلب منه أن يبني مستقبله هنا، ثم لا نوفر له فرصة العمل؟ وما قيمة الحديث عن وقف الهجرة إذا كان اللبناني يبحث عن عمل فلا يجده، أو يجد نفسه مضطرًا إلى قبول أي أجر، بينما تتوافر فرص عمل يمكنه القيام بها؟
حماية حق اللبناني في العمل ليست عنصرية، بل هي مسؤولية الدولة تجاه مواطنيها، شرط أن تتم ضمن القانون وبما يحفظ حقوق الجميع.
أما أن يبقى المواطن الصالح يدفع ثمن انهيار الدولة، بينما تتراكم الثروات لدى من كان في موقع المسؤولية، فكيف نطلب من هذا المواطن أن يثق بوطنه؟
وكيف نطلب من شاب أن يبني مستقبله في لبنان، فيما يرى أن الكفاءة لا تكفي، والعمل لا يكفي، والقانون لا يحمي الجميع، والفرص ليست متساوية؟
ماذا نأمل من حارة “كل إيدو إلو” أن تبني وطنًا؟
الوطن لا يُبنى بالمحاصصة، ولا بالزبائنية، ولا بحماية الفاسد، ولا بإفقار المواطن ثم مطالبته بالصبر.
الوطن يُبنى عندما يصبح القانون أقوى من الأشخاص، والمصلحة العامة أقوى من المصالح الخاصة، والمواطن متساويًا في حقوقه وواجباته، ويشعر أن الدولة تحميه وتؤمّن له فرصة العيش والعمل بكرامة.
عندها فقط يمكن أن نبدأ الحديث عن وطن.
أما قبل ذلك، فكل ما نفعله هو إدارة مزرعة، لا بناء دولة.

Exit mobile version