بين الجحيم الواحد وقساوته والتقسيم الأقل قساوة ما هو الحل ؟

بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد

ليس سرًا أنّ كثيرين في لبنان باتوا يشعرون بأنّ الأمور لم تعد قابلة للإصلاح كما كانت في السابق. فالمشهد العام يوحي بأنّ البلد يعيش حالة انقسام عميق، ليس فقط سياسيًا، بل اجتماعيًا ونفسيًا أيضًا. انقسامٌ أفقي بين الطوائف والمناطق، وعمودي بين القوى السياسية ومصالحها، حتى باتت الدولة تبدو كأنها مجموعة دول صغيرة داخل حدود واحدة.
لقد تحوّل شعار العيش المشترك، الذي كان يومًا أساس قيام لبنان، إلى عبارة تُستعمل عند الحاجة فقط. يُرفع عندما تقتضي المصلحة، ويُنسى عندما تبدأ الحسابات الضيقة. وهكذا، بدل أن يكون العيش المشترك قناعة راسخة، صار أحيانًا مجرد أداة في الخطاب السياسي.
في الواقع، كل فريق في هذا البلد يتصرّف على قاعدة أنه الأقوى، أو على الأقل أنه يملك القدرة على تعطيل الآخرين. لذلك لا يمكن اتخاذ قرار وطني كبير إلا بعد الحصول على موافقة هذا الطرف أو ذاك، وكأن الدولة فقدت قدرتها على القرار السيادي، وأصبحت رهينة موازين القوى الداخلية.
وفي ظل هذا الواقع، يعيش المواطن العادي حالة من الجحيم اليومي. جحيم لا يقتصر على الأزمات الاقتصادية أو المعيشية، بل يتعداها إلى ما هو أخطر:
لا ثقة بين الناس،
لا رغبة حقيقية في العيش معًا،
ضعف في التواصل،
تراجع في الاحترام المتبادل،
وشعور دائم بانعدام الأمان والسلام.
هذه ليست مجرد أزمة سياسية عابرة، بل أزمة وجودية تمس فكرة الدولة نفسها. فالدولة لا تقوم فقط على حدود جغرافية، بل على عقد اجتماعي يربط الناس ببعضهم ويجعلهم يؤمنون بأن مستقبلهم مشترك.
عندما يتآكل هذا العقد، ويصبح الانقسام هو القاعدة، يبدأ البعض بطرح الأسئلة الصعبة، حتى تلك التي كانت تُعتبر يومًا من المحرّمات السياسية. من بين هذه الأسئلة: هل يمكن لبلد منقسم بهذا الشكل أن يستمر؟ وهل يصبح التقسيم، في نظر البعض، أقل قساوة من العيش في حالة صراع دائم لا نهاية له؟
طبعًا، التقسيم ليس حلًا سهلًا، بل يحمل في طياته مخاطر هائلة. لكنه يظهر أحيانًا في النقاش العام كفكرة احتجاجية أكثر منه مشروعًا فعليًا، تعبيرًا عن يأس عميق من إمكانية إصلاح النظام القائم.
المشكلة الحقيقية ليست في فكرة التقسيم بحد ذاتها، بل في الأسباب التي تدفع الناس إلى التفكير بها. فعندما يشعر المواطن بأن الدولة لم تعد تحميه، وأن الشراكة الوطنية لم تعد قائمة فعليًا، يبدأ بالبحث عن أي صيغة تخرجه من هذا الجحيم الطويل.
وهنا يكمن السؤال الأخطر:
هل ما نعيشه اليوم هو محاولة أخيرة لإنقاذ لبنان، أم أننا نعيش مرحلة بطيئة من تفكك الدولة دون أن نجرؤ على الاعتراف بذلك؟
فبين الجحيم الواحد، والتقسيم المحتمل، يبقى الأمل الحقيقي في أمر واحد فقط: أن يدرك اللبنانيون، قبل فوات الأوان، أنّ لا أحد يستطيع إلغاء الآخر، وأن الوطن لا يُبنى بالقوة ولا بالخوف، بل بالثقة التي إن ضاعت، ضاع معها كل شيء.

Exit mobile version