بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد
من صحافة القلم إلى إعلام السكوب… حين يتراجع الفكر ويتقدّم الورق الأصفر
كان لبنان، في زمنٍ مضى، يُفاخر بأن صحافته إحدى أهم صناعاته الفكرية، وأن بيروت ليست عاصمة للكتاب والثقافة فحسب، بل عاصمة للكلمة الحرة أيضاً.
لم تكن الصحافة يومها مجرد وسيلة لإيصال الخبر. كانت مدرسة في التفكير، ومهنة لها أصول، ومسؤولية تجاه القارئ والوطن. وكان الصحافي يُقاس بقلمه، بثقافته، بقدرته على التحليل، وبمدى احترامه لعقل القارئ.
فأين نحن اليوم من الأمس؟
السؤال ليس حنيناً إلى الماضي، ولا محاولة لوضع كل الإعلام الحالي في خانة واحدة. ففي إعلامنا اليوم صحافيون وإعلاميون مهنيون ومحترمون، ومؤسسات لا تزال تحاول المحافظة على قواعد المهنة. لكن المشكلة أن المشهد العام شهد، بالتوازي مع التطور الهائل في وسائل الاتصال، تراجعاً مقلقاً لدى بعض العاملين في المجال الإعلامي عن أبسط قواعد التحقق والمسؤولية.
وهنا المفارقة الكبرى:
كلما تطورت الميديا، تراجع لدى البعض مستوى المهنة.
عندما كان الخبر يحتاج إلى قلم
فلنعد قليلاً إلى الوراء.
كان جبران تويني، مؤسس “النهار”، ينتمي إلى جيل تعامل مع الصحافة باعتبارها رسالة ومهنة في آن واحد. ثم جاء غسان تويني، الذي أصبح أحد أبرز أعمدة الصحافة اللبنانية والعربية، وتولى رئاسة تحرير “النهار” لعقود.
وكان هناك سعيد فريحة، صاحب “الصياد”، الذي ترك بصمته الخاصة في الصحافة اللبنانية، وكامل مروة مؤسس “الحياة”، الذي جعل من الصحافة اللبنانية منبراً يتجاوز حدود لبنان.
وكان إلى جانبهم سليم اللوزي، رياض طه، نسيب المتني، فيليب أبي عقل، ابراهيم عوض،عرفات حجازي ، سمير قصير، وجبران تويني، وغيرهم من الأسماء التي صنعت صفحات مضيئة في تاريخ الصحافة اللبنانية.
اختلفت مدارسهم ومواقفهم واتجاهاتهم، لكنهم اشتركوا في أمر أساسي:
أن الصحافة كانت مهنة لها أصول، والكلمة مسؤولية، والخبر أمانة.
وبين هؤلاء، يبقى سمير قصير وجبران تويني شهيدي الكلمة، وقد دفعا حياتهما ثمناً لمواقفهما وقناعاتهما.
لم يكن هؤلاء معصومين من الخطأ، ولم تكن صحافتهم بلا انحيازات أو مواقف سياسية. لكن الفرق أن الموقف كان يُكتب، والخبر كان يُبحث، والرأي كان يُبنى.
وهذا هو الفارق الذي يستحق أن نتوقف عنده.
اليوم… الخبر يسبق الحقيقة
اليوم، يستطيع أي شخص أن يمتلك هاتفاً، وميكروفوناً، وحساباً على منصة اجتماعية، ويعلن نفسه إعلامياً.
لم تعد المشكلة في التكنولوجيا.
التكنولوجيا أعطتنا قدرة غير مسبوقة على الوصول إلى المعلومة ونشرها في ثوانٍ. المشكلة في كيفية استخدام هذه القدرة.
أصبحنا أمام سباق محموم:
من ينشر أولاً؟
من يحصل على الـ”سكوب”؟
من يجذب المشاهدات؟
من يحقق أعلى نسبة تفاعل؟
وأحياناً، للأسف، يصبح السؤال الأهم:
هل الخبر صحيح؟
هو آخر الأسئلة التي تُطرح.
وهنا تبدأ الكارثة.
فالخبر الكاذب إذا سبق الحقيقة بدقائق، يكون قد أدى وظيفته بالنسبة إلى البعض: انتشر، وصل إلى آلاف الناس، حقق المشاهدات، وصنع “الترند”.
أما تصحيحه لاحقاً، فقد لا يصل إلى واحد في المئة ممن قرأوا الخبر الأول.
وهكذا يتحول الإعلام من صناعة الحقيقة إلى صناعة الانطباع.
من عدم الكفاءة إلى الاستسهال
المشكلة ليست دائماً في وجود نية سيئة.
أحياناً هي أبسط وأكثر خطورة: عدم كفاءة.
صحافي لا يتحقق من مصدر.
مقدم برنامج يخلط بين الخبر والرأي.
مراسل ينقل معلومة من وسائل التواصل الاجتماعي وكأنها حقيقة.
شخص يستضيف ضيفاً لأنه مثير للجدل، لا لأنه صاحب اختصاص.
وعنوان يُصاغ بطريقة تستفز القارئ، ولو كان مضمون الخبر لا يحمل ما يوحي به العنوان.
ثم هناك مرحلة أخطر:
أن يعرف البعض أن المعلومة غير دقيقة، ومع ذلك ينشرها لأنها تحقق “سكوباً”.
هنا لا يعود الأمر نقصاً في الكفاءة.
هنا تصبح المسألة مسؤولية أخلاقية ومهنية.
الصحافة الصفراء… حين يصبح اللون انعكاساً للقلم
لطالما عرف العالم مفهوم الصحافة الصفراء، أي الصحافة التي تقدم الإثارة والمبالغة والفضائح والعناوين الصادمة على حساب الدقة.
لكنني أعتقد أن لدينا اليوم تعبيراً آخر أكثر دلالة:
القلم الأصفر.
القلم الأصفر هو الذي لا يبحث عن الحقيقة بل عن الإثارة.
والقلب الأصفر هو الذي لا يشعر بمسؤولية الكلمة تجاه إنسان قد تجرحه، أو عائلة قد تتأذى، أو وطن قد يدفع ثمن معلومة كاذبة.
ثم يأتي الورق الأصفر…
ليس المقصود به ورق الصحيفة بالمعنى الحرفي، بل كل ما يملأ الجيوب من عائدات الإعلان والمشاهدة والتفاعل، بينما يبقى الفكر فارغاً.
وهنا يمكن اختصار المأساة بجملة واحدة:
يمتلئ الجيب بالورق الأصفر، بينما يفرغ العقل من الفكر.
أين ذهب الأستاذ؟
في زمن غسان تويني وسعيد فريحة وكامل مروة وسليم اللوزي وفيليب أبي عقل وغيرهم، كان الصحافي يحتاج إلى أن يتعلم.
كان هناك محرر أقدم منه، وأستاذ يصحح له، ورئيس تحرير يراجع النص، ومطبعة تنتظر، ووقت يسمح بالتدقيق.
اليوم، قد يكون الهاتف هو غرفة التحرير، والمنصة هي رئيس التحرير، وعدد المشاهدات هو معيار النجاح.
وهنا لا بد من الاعتراف بأن الصحافة نفسها تغيرت.
فإغلاق مؤسسات صحافية لبنانية، والأزمات المالية والتكنولوجية التي واجهت الصحافة التقليدية، غيّرت البيئة التي تعمل فيها المهنة.
لكن التكنولوجيا لا تبرر سقوط المعايير.
بل على العكس.
كلما أصبحت المعلومة أسرع، وجب أن يصبح التحقق منها أسرع وأدق.
لسنا أمام أزمة ميديا… بل أزمة مسؤولية
لا أعتقد أن المشكلة الحقيقية هي أن لدينا وسائل إعلام كثيرة.
المشكلة أن وسائل الإعلام أصبحت أحياناً أكثر من المعايير التي تحكمها.
المطلوب ليس العودة إلى الورق.
ولا يمكن إيقاف التكنولوجيا.
ولا يمكن أن نطلب من الإعلام أن يتجاهل لغة العصر.
المطلوب ببساطة أن نعيد الاعتبار إلى قاعدة قديمة جداً:
الخبر ليس رأياً، والرأي ليس خبراً، والسبق لا يعفي من التحقق.
وأن نتذكر أن الصحافي ليس مجرد شخص يحمل ميكروفوناً.
إنه شخص يحمل مسؤولية كلمة.
من جبران إلى جبران
ومن المفارقات المؤلمة أن اسم جبران تويني ارتبط ببدايات مدرسة صحافية لبنانية عريقة، ثم جاء حفيده جبران تويني ليحمل اسماً ثقيلاً في الصحافة والسياسة اللبنانية، قبل اغتياله عام 2005.
وبين جبران الأول وجبران الحفيد، مروراً بغسان تويني وسعيد فريحة وكامل مروة وسليم اللوزي ورياض طه ونسيب المتني وفيليب أبي عقل وسمير قصير، نقرأ فصولاً من تاريخ صحافة لبنانية لم تكن دائماً متفقة في الرأي، لكنها كانت تعرف قيمة القلم.
وليس المطلوب أن نعيد زمنهم.
المطلوب أن نستعيد من زمنهم احترام المهنة.
فالزمن يتغير، والأدوات تتغير، والمنصات تتغير، لكن شيئاً واحداً لا ينبغي أن يتغير:
شرف الكلمة.
الخلاصة
بين الأمس واليوم، تطورت الميديا بصورة مذهلة.
من المطبعة إلى الشاشة.
من الصحيفة إلى الموقع.
من الراديو إلى البث المباشر.
ومن الخبر الذي يحتاج ساعات ليصل إلى الناس، إلى خبر يصل إلى الملايين في ثوانٍ.
لكن السؤال الذي يجب أن يقلقنا ليس:
إلى أين وصلت التكنولوجيا؟
بل:
إلى أين وصلنا نحن؟
لأن امتلاك أحدث التكنولوجيا لا يجعل من صاحبها إعلامياً.
والسبق لا يجعل من صاحبه صحافياً.
وكثرة المتابعين لا تعني بالضرورة كثرة المعرفة.
وارتفاع المشاهدات لا يعني ارتفاع مستوى المهنة.
لقد كان الصحافي بالأمس يحمل قلماً ويعرف أن وراء كل كلمة مسؤولية.
أما اليوم، فقد يحمل البعض هاتفاً ويعتقد أن وراء كل “سكوب” مجداً.
وبين الاثنين مسافة كبيرة.
مسافة اسمها المهنية.
لذلك، ربما آن الأوان أن نسأل أنفسنا بصدق:
هل نحن أمام تطور في وسائل الإعلام، أم أمام تراجع في الإنسان الذي يستخدمها؟
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للصحافة ليس أن تختفي الصحف.
بل أن تبقى الصحافة موجودة، ويختفي منها الصحافي.
وعندما يصبح القلم أصفر، والقلب أصفر، والغاية ملء الجيب بالورق الأصفر، يكون الثمن الحقيقي أكبر بكثير من تشويه خبر أو اختلاق “سكوب”…
يكون الثمن هو إفراغ العقل اللبناني من ثقافة كان ذات يوم يعلّمها للمنطقة كلها.
وهنا، فعلاً، يصبح السؤال مشروعاً:
أين نحن اليوم من الأمس؟
