الأمةُ الإسلامية بين أمجاد الماضي ومسؤولية الحاضر

بقلم// الشيخ مظهر الحموي

ليست الأمة الإسلامية اليوم أمام أزمة عابرة ، ولا أمام حادثة تنتهي بإنتهاء موسمها ، وإنما تقف أمام مرحلة شديدة الحساسية ، تتقاطع فيها الأخطار السياسية والإقتصادية والفكرية والأمنية والإعلامية ، وتتداخل فيها الأزمات الداخلية مع الضغوط الخارجية ، حتى أصبح السؤال الذي لا يجوز تأجيله:
ماذا نريد أن نكون في هذا العالم ؟
وأين نريد أن يكون موقعنا في صناعة المستقبل؟
فالأمم لا يحميها تاريخها وحده ، ولا تحفظها أمجاد آبائها ، ولا تكفيها كثرة عددها ، ولا وفرة ثرواتها ، إذا عجزت عن تحويل ما تملك إلى قوة واعية ، وإرادة راشدة ، ومشروع حضاري متكامل .
وقد آن للأمة أن تدرك أن أخطر ما يهددها ليس ما يأتيها من خارجها فحسب ، وإنما ما يستقر في داخلها من ضعف وتفرق ، وعجز عن قراءة الواقع ، وفقدان للبوصلة ، وإستسلام لثقافة الإنتظار ، وكأن المستقبل سيأتي إليها من تلقاء نفسه .
أمجاد الأمس لا تكفي لصناعة الغد
من حق المسلمين أن يعتزوا بتاريخهم ، وأن يستلهموا من سير الأجداد معاني العزة والثبات والبذل ، وأن يتذكروا الأيام التي إستطاع فيها المسلمون أن يحملوا رسالة عظيمة ، وأن يقيموا حضارة إمتدت آثارها في العلم والفكر والعمران والأخلاق .
ولكن الإعتزاز بالماضي إذا لم يتحول إلى عمل في الحاضر يصبح نوعًا من التعويض النفسي عن العجز .
وليس المطلوب من المسلم أن يعيش أسيرًا في صفحات التاريخ ، يعدد انتصارات الأجداد ، ثم يعود إلى واقعه فلا يجد في يده مشروعًا ، ولا في مؤسساته خطة ، ولا في مجتمعه تعاونًا ، ولا في إقتصاده إستقلالًا ، ولا في جامعاته طموحًا ، ولا في شبابه أفقًا .
إن الأمم العظيمة لا تعيش على ما فعلته بالأمس ، وإنما تُقاس بما تستطيع أن تفعله غدًا .
فالسؤال الحقيقي ليس: ماذا كان المسلمون؟
وإنما: ماذا يستطيع المسلمون أن يكونوا؟
وليس السؤال: أين كانت قوتنا؟
بل: أين قوتنا اليوم؟ وكيف نبنيها من جديد؟
فالتاريخ لا يهب مجدًا لمن يكتفي بالحديث عنه، وإنما يهب المستقبل لمن يعمل له.
المشكلة ليست في الإسلام
لقد أثبت التاريخ أن الإسلام ليس فكرة هشة تخشى المواجهة ، ولا رسالة عاجزة عن مخاطبة الإنسان ، ولا منظومة تنتمي إلى عصر مضى وإنتهى.
إن الإسلام ، في جوهره ، دعوة إلى تحرير الإنسان من عبودية الإنسان ، وإقامة العدل ، وصيانة الكرامة، وحفظ الحقوق، وربط القوة بالأمانة ، والعلم بالمسؤولية ، والحرية بالأخلاق، والدين بالعمران .
ولكن المشكلة الكبرى تبدأ حين تتسع المسافة بين حقيقة الإسلام وواقع المسلمين.
فالإسلام يدعو إلى الوحدة ، والمسلمون يتفرقون .
والإسلام يرفع قيمة العلم ، والأمة تستورد المعرفة أكثر مما تنتجها .
والإسلام يأمر بإتقان العمل ، بينما تتعطل طاقات هائلة بسبب الفساد والمحسوبية وسوء الإدارة .
والإسلام يجعل القوة أمانة في يد العدل ، بينما قد تتحول القوة في بعض البيئات إلى أداة ظلم واستبداد .
والإسلام يربي على الصدق، بينما تزدحم الساحة الإعلامية بالتحريف والشائعات والتضليل.
والإسلام يدعو إلى الشورى، بينما تضيق بعض البيئات بالرأي الآخر ، ويصبح الاختلاف خصومة ، والنقد خيانة ، والنصيحة إتهامًا .
وهنا يجب أن تكون المواجهة مع النفس قبل المواجهة مع الآخرين.
فليس من الحكمة أن نبحث دائمًا عن خصم نلقي عليه جميع مسؤوليات فشلنا .
نعم ، هناك قوى دولية لها مصالحها ، وهناك أطراف تسعى إلى إضعاف الأمة أو إستغلال مواردها أو التأثير في قراراتها ، وهذا أمر لا ينبغي تجاهله.
لكن السؤال الأشد إلحاحًا :
لماذا يستطيع الآخر أن ينفذ إلى نقاط ضعفنا ؟
ولماذا يستطيع أن يستثمر خلافاتنا؟
ولماذا يجد أسواقنا مفتوحة، وعقولنا مهاجرة ، وثرواتنا متفرقة ، ومواقفنا السياسية متباعدة ، وإعلامنا متنازعًا ، ومشروعاتنا العلمية محدودة؟
إن العدو لا يصنع كل نقاط ضعفنا، لكنه يعرف كيف يستثمرها .
ومن هنا تبدأ مسؤوليتنا.
من الخوف من الآخر إلى معرفة الذات .
إن الوعي الحقيقي لا يعني أن نعرف خصومنا فقط، بل أن نعرف أنفسنا أيضًا.
فمن أخطر الأمراض أن تعتقد الأمة أن كل مصائبها من صنع الآخرين ، وأنها لا تحتاج إلى مراجعة ذاتها .
إن أمة بهذا الحجم، وبهذه الثروات ، وبهذا الإمتداد الجغرافي والبشري ، لا يجوز أن تكون قوتها أقل من إمكاناتها.
الأمة التي تمتلك مساحات زراعية واسعة ، ومصادر هائلة للطاقة ، وثروات معدنية ، وممرات بحرية إستراتيجية ، وأسواقًا ضخمة ، وعشرات ملايين الشباب ، وعقولًا متفوقة ، لا يجوز أن تبقى في موقع المستهلك الذي ينتظر ما ينتجه الآخرون .
والأمة التي يخرج من جامعاتها أطباء ومهندسون وعلماء وباحثون ومبدعون ، ثم تضطر خيرة هذه العقول إلى الهجرة بحثًا عن بيئة علمية أو إقتصادية أفضل، ينبغي أن تسأل نفسها:
لماذا لا نبني نحن البيئة التي تستوعب أبناءنا؟
والأمة التي تملك المال والعقول والأسواق ينبغي أن تسأل:
أين صناعاتها الكبرى؟ وأين مختبراتها؟ وأين شركاتها العالمية؟ وأين جامعاتها البحثية؟ وأين مؤسساتها التي تصنع المستقبل؟
إن المشكلة ليست دائمًا في قلة الإمكانات ، وإنما في ضعف الإدارة ، وغياب التكامل ، وتشتت الإرادة .
الوحدة ليست شعارًا
وما أحوجنا اليوم إلى أن نفهم معنى الوحدة فهمًا واقعيًا.
فالوحدة لا تعني أن يصبح الناس نسخة واحدة ، ولا تعني إلغاء التنوع ، ولا تعني إسكات الاختلاف .
وإنما تعني أن نتفق على القضايا الكبرى ، وأن نختلف بأدب ، وأن نحفظ الدماء ، وأن نحترم الخصوصيات ، وأن نجعل الإختلاف وسيلة للتكامل لا ذريعة للصراع.
إن أمتنا متنوعة في مذاهبها ومدارسها وإتجاهاتها وأعراقها ولغاتها ، وهذه حقيقة تاريخية لا ينبغي تحويلها إلى وقود للعداوة.
والحكمة ليست في إلغاء التنوع ، بل في إدارة التنوع .
فإذا كان الإختلاف في المسائل الإجتهادية قد عاش قرونًا في رحاب الحضارة الإسلامية ، فكيف نحوله اليوم إلى سبب للقطيعة والخصومة والتكفير والتخوين؟
إن الخطر ليس أن نختلف.
الخطر أن نفقد القدرة على الإختلاف دون أن نتقاتل.
إن الأمة اليوم لا تحتاج إلى من يذكّرها فقط بما كانت عليه ، وإنما تحتاج إلى من يوقظ فيها القدرة على أن تصبح شيئًا جديدًا .
فالماضي مدرسة ، وليس مسكنًا .
والتاريخ زاد ، وليس نهاية الطريق .
والأمجاد ميراث ، لكنها لا تعفي الوارث من مسؤولية أن يصنع مجده .
ومن هنا فإن أول واجب على الأمة أن تستعيد وعيها بذاتها ، وأن تردم المسافة بين مبادئ الإسلام وواقع المسلمين ، وأن تفهم أن الخلاص لا يبدأ بإتهام الآخرين، وإنما يبدأ بمراجعة النفس وإصلاح الخلل وبناء الإنسان.
لكن الوعي وحده لا يكفي.
فالأمة التي تعرف أخطارها ولا تمتلك أسباب دفعها ، تظل أسيرة للخطر.
ومن هنا ستبدأ الحلقة الثانية: من أين تستمد الأمة قوتها؟ وهل تستطيع أن تتحول من أمة تستهلك ما يصنعه الآخرون إلى أمة تصنع غذاءها ودواءها وتقنيتها واقتصادها، وتمتلك أدوات القوة في عالم لا يعترف إلا بمن يملكها.
والى اللقاء إن شاء الله

أخوكم الشيخ مظهر الحموي
عضو اللجنة القضائية في المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى
رئيس لجنة الدعوة والمساجد وحماية التراث

Exit mobile version