الرفاعي: الأوطان لا تُبنى بالغلبة وإنما بالتفاهم والمسؤولية والقدرة على إدارة الاختلاف

أكد مفتي محافظة بعلبك الهرمل الشيخ الدكتور بكر الرفاعي أنَّ “الإيمان الذي يريده الله ليس شعورًا يسكن القلب ثم لا يتجاوز حدوده، ولا كلماتٍ جميلة تُقال ثم تنتهي بانتهاء المجلس؛ إنما هو قوةٌ تدفع صاحبها إلى أن يكون نافعًا، منتجًا، مصلحًا، أمينًا على ما بين يديه من مسؤوليات، يشعر أن وجوده في هذه الحياة ينبغي أن يترك وراءه أثرًا طيبًا”.

وأشار، في خطبة الجمعة، إلى أنَّ “المؤمن الحق لا يسأل فقط: ماذا أخذت من الحياة؟ بل يسأل أيضًا: ماذا أعطيت؟ ماذا أصلحت؟ كم من إنسانٍ أعنته، أو بيتٍ أصلحت شأنه، أو طالبٍ علمته، أو مريضٍ واسيتَه، أو مشكلةٍ أطفأت نارها، أو عملٍ أتقنته، أو فكرةٍ نافعةٍ زرعتها في عقول الناس. فصلاح الإنسان لا يقاس بكثرة الكلام عن الخير، بل بمقدار الخير الذي يجري على يديه”.

وقال: “في زمنٍ تتسارع فيه المعرفة والتقنية، لم يعد مقبولًا أن يكون التدين منفصلًا عن العمل والإنتاج والإتقان. نحتاج إلى المؤمن الذي يتعلم، ويخطط، ويزرع، ويصنع، ويبتكر، ويحفظ وقته، ويؤدي عمله بإحسان؛ لأن عمارة الأرض ليست شأنًا دنيويًا منفصلًا عن الدين، وإنما هي من مقتضيات الأمانة التي حملها الإنسان”.

ولفت إلى أنَّ “العالم من حولنا يدخل مرحلةً شديدة الحساسية؛ تتراكم الأزمات، وتتسع بؤر التوتر، وتتطور أدوات الحرب والدمار، وتصبح بعض القرارات قادرة على جرّ شعوب ومناطق كاملة إلى مواجهات لا يعرف أحد أين تنتهي. وفي مثل هذه اللحظات، تصبح الحكمة مسؤولية تاريخية، وعلى أصحاب القرار أن يدركوا أن الشعوب ليست وقودًا للمغامرات، وأن جرّ العالم إلى مواجهة شاملة قد يفتح أبوابًا من الدمار يصعب إغلاقها”.

واعتبر أنَّ “المنطقة العربية ليست بعيدة عن هذه التحولات؛ فما تزال تعيش أثقال الحروب والانقسامات والتدخلات والأزمات الاقتصادية، فيما تبقى فلسطين والقدس جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة، ويعيش أهل غزة وسائر الفلسطينيين آثار حربٍ قاسية تركت وراءها إنسانًا مثقلًا بالخوف والفقد والحاجة. والمنطقة أحوج ما تكون إلى وعيٍ يحفظ مصالح شعوبها، ويمنع تحويل خلافاتها إلى وقودٍ لصراعات جديدة”.

وحذَّر من أن “لبنان، يقف أمام واقعٍ لا يحتمل مزيدًا من الاستنزاف؛ تجاذبات سياسية، وضغوط اقتصادية واجتماعية، ومؤسسات تحتاج إلى الثقة والعمل، وناسٌ أنهكتهم سنوات الأزمة وأصبح همّهم الأول أن يجدوا حياةً كريمة ومستقبلًا أكثر أمانًا لأبنائهم. وليس من الحكمة أن نستهلك ما بقي من طاقاتنا في الخصومات، فيما تتراكم الملفات التي تحتاج إلى تعاونٍ وقرارٍ وإصلاح”.

ورأى أنَّ “من أشد ما يوجع في قصة لبنان أن الفساد المالي والهدر في قطاعات حيوية، وفي مقدمتها الكهرباء والبنى التحتية وسواها من مرافق الدولة، لم يكن مجرد أرقام في دفاتر الحسابات؛ بل تحوّل إلى سنواتٍ من المعاناة التي دفع ثمنها المواطن من ماله وأعصابه ومستقبل أبنائه. ولعل ما أُنفق على إصلاح قطاع واحد، لو أُحسن إنفاقه وإدارته ومراقبته، كان قادرًا على أن يصنع فارقًا هائلًا في صورة لبنان وخدماته وبناه التحتية، وأن يقربه من مستوى الدول التي جعلت المال العام وسيلةً لبناء الإنسان والمكان، لا بابًا للهدر والاستنزاف”.

وأضاف: “الأخطر أن الفساد لا يصبح أقل خطرًا حين يتكرر حتى يألفه الناس؛ فما زالت ملفات المشاريع والمناقصات والمتعهدين تثير أسئلة مشروعة حول الشفافية والمحاسبة، فيما تتكرر المشاهد نفسها: طرقٌ تُرصف ثم تتشقق، ومشاريع تُعلن ثم تتعثر، ومحطاتٌ تُصرف عليها الأموال ولا تنتهي معها أزمات الكهرباء والماء. والمطلوب ليس اتهام هذا أو ذاك، بل نظامٌ شفاف يمنع تضارب المصالح، ويجعل صاحب المشروع مسؤولًا عن نتيجته، ويضع المال العام تحت رقابةٍ حقيقية ومحاسبةٍ لا تستثني أحدًا”.

وأردف: “من الملفات التي طال انتظار معالجتها ملف العفو العام؛ فهذا الجرح الاجتماعي والقانوني لا ينبغي أن يبقى مفتوحًا إلى ما لا نهاية. المطلوب معالجةٌ مسؤولة تميّز بين الحالات، وتحفظ حقوق الضحايا، وتحترم سلطة القضاء، وتمنح من يستحق فرصة العودة إلى المجتمع والحياة الطبيعية. أما أن يبقى هذا الملف معلّقًا، أو أن يتحول كلما اقترب موعد البحث فيه إلى مادةٍ للمزايدة والتجارة السياسية، فذلك لا يخدم العدالة ولا الناس ولا الدولة”.

وختم الرفاعي، مشدِّدًا بأنَّ “لبنان لا يحتاج إلى مزيد من رفع السقوف بقدر ما يحتاج إلى خفض منسوب التوتر، وإلى عقلٍ سياسي يعرف أن الاختلاف لا يعني القطيعة، وأن التنافس لا ينبغي أن يتحول إلى تعطيل، وأن حماية البلد ومصالح أهله تتقدم على الحسابات الضيقة. فالأوطان لا تُبنى بالغلبة، وإنما بالتفاهم والمسؤولية والقدرة على إدارة الاختلاف”.

Exit mobile version