أشار مفتي محافظة بعلبك الهرمل الشيخ الدكتور بكر الرفاعي إلى “أننا في لبنان، ندرك أكثر من غيرنا أن الحروب لا تنتهي عند حدود الميدان؛ بل تصل إلى لقمة العيش والمحروقات والأسواق وفرص العمل. ولذلك نحن بحاجة إلى دولة تقوم بمسؤولياتها، ومسؤولين يحفظون الأمانة، ومجتمع يتكافل، وتجار لا يستغلون حاجات الناس، ومواطنين يحفظون السلم الأهلي ولا يضيفون إلى أزمات الناس أزمات جديدة”.
وقال في خطبة الجمعة: “ما أحوجنا اليوم إلى هذا الدعاء الخليلـي: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾، في زمنٍ اتسعت فيه دوائر الخوف والحرب، وأصبح الأمن مطلبًا عزيزًا على شعوب كثيرة. فالأمن من أعظم نعم الله، ولذلك قرنه سبحانه بالطعام فقال: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّنْ جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾”.
وشدد على أن “مكة المكرمة ليست ساحة حرب، وحرمة المقدسات لا ينبغي أن تكون موضعًا للصراع وتصفية الحسابات، قال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾. وقال النبي ﷺ: “إن الله حرّم مكة يوم خلق السماوات والأرض، فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة”. كذلك المدينة المنورة لها حرمتها أيضًا؛ فهي دار الهجرة، ومدينة رسول الله ﷺ، وفيها مسجده الشريف. وقد قال ﷺ: «اللهم إن إبراهيم حرّم مكة، وإني أحرّم ما بين لابتيها». إن تعظيم المقدسات يعلمنا أن للخصومة حدودًا، وأن هناك حرمات لا يجوز أن تسقط مهما اشتد الصراع”.
وأضاف: “من مكة يأخذنا القرآن إلى المسجد الأقصى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾. فالأقصى ليس قضية عابرة، بل مسجد من مساجد الله، وأحد المساجد الثلاثة التي تُشد إليها الرحال. وكما نرفض انتهاك حرمة مكة، نرفض انتهاك حرمة الأقصى والاعتداء على المصلين وأهل القدس”.
ولفت إلى أن “الإسلام الذي عظّم حرمة المكان عظّم حرمة الإنسان أيضًا. قال النبي ﷺ: «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام». فلا الطفل هدف، ولا المرأة هدف، ولا المدني هدف، ولا يجوز أن تتحول حياة الناس إلى وقود للصراعات”.
وأردف: “إن الحق لا يتغير بتغير أسماء الفاعلين؛ نرفض الاعتداء على مكة، ونرفض انتهاك الأقصى، ونرفض قتل الأبرياء في غزة، ونرفض كل ظلم يطال الإنسان بغير حق. فالمقدسات فوق الصراعات، والدماء فوق الانتقام، والعدل فوق الاصطفاف، والرحمة لا تتجزأ”.
وختم الرفاعي: “اللهم اجعل مكة والمدينة والقدس آمنة مطمئنة، واحفظ المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى، وارفع البلاء عن أهل غزة، واحفظ لبنان وأهله وبعلبك والهرمل والجنوب، وأبعد عنا الفتن والحروب. اللهم ارزقنا الحكمة والعدل والرحمة، واجعلنا ممن يحفظون الحرمات ويصونون الدماء ويصلحون ولا يفسدون. وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين”.
