بقلم// الشيخ مظهر الحموي
ليس أخطر ما يمرّ به لبنان اليوم ارتفاع الأسعار أو تراجع القدرة الشرائية أو ضيق فرص العمل، بل أزمة أعمق أرهقت الأسر، وبدّدت أحلام الأبناء، وهدّدت مقومات العيش الكريم. فقد بلغ الوضع المعيشي والاقتصادي مرحلة لم يعد معها الصمت فضيلة ولا الانتظار حلاً.
لم يعد المواطن يطلب الرفاهية، بل أبسط حقوقه: عملاً شريفاً، ودخلاً يحفظ كرامته، ودواءً وطعاماً وتعليماً ونقلاً وخدمات عامة يستطيع تحمّل كلفتها. فالراتب لم يعد يكفي، والمدخرات تآكلت، وأصبح الخوف من الغد جزءاً من الحياة اليومية.
دخلت الأزمة البيوت ولامست أقساط المدارس والجامعات، وفواتير الاستشفاء والدواء، وأجرة السكن، وكلفة النقل والغذاء، حتى بات ربّ الأسرة حائراً: ماذا يدفع أولاً، وماذا يؤجل، وماذا يستغني عنه؟ وما أشد قسوة أن يضطر الإنسان إلى الاختيار بين دواء وطعام أو بين تعليم أبنائه وحاجات البيت.
تراجعت الطبقة الوسطى، وازداد الفقراء فقراً، فيما اتسعت الهوّة بين كلفة الحياة ودخل المواطن. فارتفاع أسعار المحروقات والكهرباء والمياه والاتصالات والتعليم والاستشفاء يرفع كلفة الإنتاج والنقل والخدمات، ويؤدي إلى تراجع الاستهلاك والإنتاج، وانكماش الاقتصاد، وتقلص فرص العمل.
وهكذا يدور المواطن في حلقة مفرغة: غلاء يرهقه، ودخل لا يواكبه، ومؤسسات تكافح للبقاء، وشباب ينظرون إلى الخارج بحثاً عن مستقبل لم يجدوه في وطنهم.
ومن أخطر نتائج الأزمة هجرة الطاقات اللبنانية. فالشاب المتعلم الذي لا يجد عملاً يليق بعلمه، أو يعجز عن تأسيس بيت وتأمين مستقبل أسرته، يجد في الهجرة ضرورة لا خياراً. وخسارة لبنان ليست في خروج فرد أو مئة، بل في رحيل الطبيب والمهندس والأستاذ والباحث والحرفي ورجل الأعمال، وتحول الهجرة إلى ظاهرة مستمرة.
وفي المقابل، تتسع البطالة، ويضطر كثيرون إلى أكثر من عمل، بينما تتراجع قدرة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة على الاستمرار، رغم دورها الأساسي في التشغيل والإنتاج.
الفقر ليس رقماً، والبطالة ليست نسبة مئوية؛ وراءهما أسرة قلقة، وأب عاجز، وأم مثقلة، وشاب فقد الأمل، وطفل قد يُحرم من التعليم أو العلاج. لذلك فإن استمرار الأزمة يهدد السلم الاجتماعي، إذ يفتح الفقر والبطالة والظلم واليأس أبواباً لمشكلات اجتماعية وأمنية وأخلاقية خطيرة.
ويزداد المشهد إيلاماً حين يرى المواطن الحديث عن الهدر والفساد والتهريب والاحتكار وسوء الإدارة، بينما يُطلب منه وحده تحمّل المزيد من الضرائب والرسوم والغلاء. وهنا يحق له أن يسأل: إلى متى يبقى الحلقة الأضعف؟ وإلى متى يبقى الإصلاح شعاراً لا يتحول إلى إجراءات ملموسة؟
إن لبنان يحتاج إلى إرادة إصلاح حقيقية تضع المصلحة العامة فوق الحسابات الضيقة، والدولة فوق المصالح الفئوية، والقانون فوق الاستنساب، والكفاءة فوق المحاصصة، والمال العام تحت رقابة صارمة. ولا يمكن للاقتصاد أن يتعافى في ظل مؤسسات عاجزة، واستثمار خائف، وإنتاج محاصر، ومواطن فاقد الثقة.
فالاقتصاد والسياسة والأمن والعدالة الاجتماعية حلقات مترابطة. وإنقاذ لبنان لا يكون بحل ترقيعي، بل بمشروع وطني يعيد بناء الثقة، ويشجع الاستثمار والإنتاج، ويحمي القطاعات المنتجة، ويخلق فرص العمل، ويواجه الفساد، ويخفف الأعباء عن الناس.
المطلوب ليس وعوداً بالمعجزات، بل سبباً معقولاً للأمل. فالناس تستطيع الصبر إذا رأت طريقاً واضحاً، وتحمل المشقة إذا شعرت بالعدل، والتضحية إذا وثقت بأن تضحياتها لن تذهب هدراً. أما استمرار الغلاء والبطالة وانهيار الخدمات وهجرة الأبناء من دون مشروع إنقاذ واضح، فيقتل الأمل والقدرة على الاحتمال.
ولبنان اليوم أحوج ما يكون إلى استعادة الثقة: ثقة المواطن بالدولة، والمستثمر بالاقتصاد، والشباب بالمستقبل، واللبنانيين بعضهم ببعض. فلا وطن يُبنى بالخوف، ولا اقتصاد ينهض بالقلق، ولا مجتمع يستقر إذا كان الغد أكثر غموضاً من اليوم.
لقد آن الأوان لإدراك أن إنقاذ الاقتصاد هو إنقاذ للإنسان، وأن حماية المال العام والمؤسسات والإنتاج هي حماية للأسرة والعامل والمزارع والتاجر والطالب والمريض. يا أهل لبنان، لقد أتعبتنا الأزمات والانقسامات، لكن الوطن لا يُنقذ باليأس ولا تُبنى الدول بالاستسلام.
فلننتقل من الحسابات الصغيرة إلى المصلحة الوطنية، ومن الغلبة إلى الشراكة، ومن إدارة الأزمات إلى صناعة الحلول، ومن الاتهامات إلى تحمّل المسؤوليات. ولنجعل لبنان وطناً للإنسان، يأمن فيه على يومه، ويطمئن إلى غده، ويجد فرصة للعمل والعلاج والتعليم والعيش الكريم.
ليس المطلوب أن يعيش اللبناني على الوعود، بل أن يرى أثر الإصلاح في خبزه ودوائه وعمله وبيته ومستقبل أبنائه. وما أحوج لبنان إلى إرادة صادقة ترى في الوطن أمانة لا غنيمة، وفي الدولة بيتاً لجميع أبنائها.
اللهم احفظ لبنان وأهله، واكشف عنهم الغمة، وأصلح أحوالهم، وأعد إلى الوطن أمنه واستقراره وعافيته، وافتح لأبنائه أبواب العمل والرزق والكرامة، ووفّق من بيده القرار إلى ما فيه خير البلاد والعباد.
أخوكم الشيخ مظهر الحموي
رئيس لجنة الدعوة والمساجد وحماية التراث في المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى
عضو اللجنة القضائية في المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى
