رواية الأقوياء على دفاتر الضعفاء

بقلم// البروفيسور حسان فلحة*

ندرةٌ من الأشخاص في العالم مُدانُون بطالع مقضي في الحكم المبرم ، ومحتوم بالمسؤولية الذهنية ذات الطابع الصارم ، تتماثل فيها البشرية في الاعتقاد الحصري للتداعيات الكارثية وتحميلهم اياها ، حتى تفوق قدرة العقل الإنساني على استيعاب مجرياتها او تصديقها ،ولكنها تصبح مسلمةً راسخة في الذهن البشري ، كأن يشعل شاب ذو السنوات التسع عشرة مثل الصربي غافريلو برنسيب الحرب العالمية الاولى ، وتُصْدر الامم نظرتها الراسخة بتلبُّسِه التسبب في قتل الملايين من البشر ، جراء اغتياله لولي عهد النمسا، وريث العرش الأرشيدوق فرنتس فرديناند في سراييفو عام ١٩١٤ . هي شرارة كونية أشعلت احدى اكبر الحربين العالميتين ، التي غيرت من طبيعة الإنسان ونظرته في محاكاة الحرب “العادلة” و الدوران حول فكرة “السلام المطلق” ، لم يدر في خلد من كتب على جدران سجنه ذات يوم ، ان “ظلالنا ستظل تتجول في فيينا،وستسير في البلاط الملكي، وترعب السادة” ، ان ظلال اسمه ستبقى عالقة في جدران الفكر العالمي انصياعا لعمليات الاستيلاء المعرفي والسيطرة الحاكمة في صناعة القيم وترتيب سلم الاخلاقيات التي تتعرض لها الامم و الشعوب ، فضلا عن تسطيح الوعي البشري الذي يتمحور حول محاكاة الاستيلاب (الفكري) والاستيعاب النفسي للأفراد والجماعات و تجاوز حواجز الخوف من إدراك الحقائق ، والتعرض إلى مكعبات معرفية جاهزة القوالب في التصميم و الإعداد والتفاعل لاصدار احكام ملتوية الدقة منحرفة الاتجاهات ذات انجذاب حاد لقوة السطوة لا لقوة الحق وتبيان الحقيقة ، والا كيف لشاب خذلته قامتُه في تمددها نحو طول لم يتح له التطوع في المدرسة الحربية ، وتخذله في مقتبل العمر ليغدو مشعل فتيل حرب أردَتْ تحت التراب ملايين البشر في سابقة إنسانية لم تسجلها البشرية منذ انْ دُوِنَت كتابةُ وجودها ، عدا عن رسم خرائط دول جديدة ذات مسارات كونية ، و التسبب بانهيار اربع إمبراطوريات حاكمة النفوذ على مدار الكرة الأرضية :
النمساوية – المجرية ، والألمانية ، والروسية، والعثمانية .
الحرب العالمية الاولى هي انفجار الاستعمار المستعر والتوسع الصناعي والاقتصادي الجشع، وتأليه القومية ، بقيت اسبابها غامضة و ملتوية و متراكمة إلا من نتيجة واحدة مباشرة ، اختصرها المؤرخ البريطاني الشهير ألان جون بيرسيفال تايلور (Alain .J.P. Taylor): بقوله “إن
رصاصة برينسيب لم تصب الأرشيدوق فحسب، بل أصابت العالم و سلامه في مقتل، وجعلت الدبلوماسية الأوروبية تبدو كبيت من ورق انهار مع أول هبة ريح”.
الصيت في حياة الانسان هو اطول خطوط العمر كلها، هو الصورة النمطية الذهنية الراسخة عن الحوداث الذائعة الانطباع ، المرسومة و المتنافرة تتشابك عند نقطة واحدة بين الحتمية والقدر كما يصفها الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور ، تزول هي ( الحوادث)، ويبقى صداها يتلاقى عند متلازمة الحضور . إنها عقدة القدر التى تطغى بعد الغياب .
وكأن الرواة و المرددين ينتابهم حنين النميمة والغيبة وتردادها في إطلاق الحكم النافذ بحق هؤلاء بمضبطة اتهام تستند إلى الصورة الذهنية المُحْكمة الاطار .
العالم ، منقسم في مفاهيمه القيم وترتيب الاخلاقيات ، غامض في مدونات سلوكه، مرتاب ومتردد ، من القاتل؟ ومن الارهابي ؟ من المناضل ؟ ومن المقاوم ؟ ومن الخارج عن القانون ؟
لقد بقى يحيى السنوار في لحظات وجوده الأخيرة يقاتل بجرأة وشجاعة على عرش رحيله، يضرب بعصاه تفوق عدوه التقني وما استسلم .
أسقط العالم عنه أربعا وعشرين سنة قضاها في المعتقلات الاسرائيلية، و أسقط قبلها ترحاله داخل وطنه ولجوءه المستعاد على أرض اجداده ، وحصر حضوره في السابع من اكتوبر ، مخططا ومنفذا و مسببا ، لولاه لما كانت . و يواري العالم سوءة صمته الأكبر عن قضية فلسطين وشعبها ، عن اللاجئين والشتات ، و عن المخيمات وسكانها الرُّحل بين جور الزمان وغربة المكان .
قضية إنسانية تعيش
انقلاباً و سكوتا و سكونا، إمعانا بالغوص في نسيانها.
العالم يذكر “شوك” رواية يحيى السنوار ولا يقرأ “قرنفله” المغمس بدمه الحزين والعاري .
يستسهل العالم الأحكام الجاهزة للمساواة إذا عدل بين القاتل والضحية.
لم يكن السنوار الذي اعتلى شأو عمره ، سجينا او طريدا او قاتلا او مقاوما ، إلا ثمرة الظلم الأبدي الذي تستهويه البشرية في إتيان الأحكام عند مقاربة السيطرة و مداراة السلطان .
السنوار فاصلة متمردة في سرد التاريخ الفلسطيني، الذي تُجّمل نكباتُه بعبارات النكسة و الكبوة والزلة .
لا اعتقد ان كثيرين كثيرين يكترثون لما يعتقده السنوار من فكر ديني او مذهبي او حتى سياسي، ولكن هؤلاء لا يواربون إذا صمتوا ، أن السنوار مهيضَ اليد ، هَزم على مقعد رحيله الوثير بالجلال والهيبة ، بنيامين نتنياهو من آخر أوراقه في فضح سياسته الاسرائيلية التى اعادت في السابع من اكتوبر تعريف العالم بأن نيرون لم يمت ، بل تجسد في نيران حرب الإبادة في غزة والضفة ولبنان .
أقوى الأصوات صوت الألم وأعلاها صوت الجهر بوجه الظلم . التاريخ لا يحكم ، بل يسجل رواية الأقوياء على دفاتر الضعفاء . قد لا يكون ممهورا بالحقيقة ، ولكنها بالتأكيد روايات تفتقر إلى عنوان .
17/09/2026
*المدير العام لوزارة الإعلام
البروفيسور حسّان فلحه

Exit mobile version