الارتهان والانصياع… أين الكرامة؟

بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد

نسمع خطاباتهم فنظنّ أننا في وطنٍ كامل السيادة، تحفّه الكرامة من الجهات الأربع، وتظلّله راية العزّة. كلماتهم مُحكَمة، منمّقة، تفيض بالوعود والوعيد، حتى نكاد نصدّق أن الأرض صلبة تحت أقدامنا وأن السماء تحرسنا من كل انكسار.
لكن… ما إن ننظر إلى الأفعال حتى يتبدّد الوهم.
نكتشف أننا لسنا سوى هامش في دفتر الآخرين، وأن القرار ليس هنا، وأن الوطن الذي تغنّوا به معلّق بخيوط خفيّة تحرّكه كيفما شاءت الرياح. عندها ندرك حجم الفجوة بين القول والفعل، بين الشعارات والواقع، بين الكرامة المعلَنة والارتهان المستتر.
كيف لوطنٍ أن ينهض وهو يستعير إرادته؟
كيف لشعبٍ أن يشعر بعزّته وهو ينتظر إشارة من خارج حدوده ليقرر مصيره؟
صرنا كالأيتام على موائد السياسة، نعيش المثل القاسي: “مين أخد أمي صار عمي”، نبدّل ولاءاتنا كما يُبدَّل الحارس على بابٍ لم يعد بابنا.
في “جمهورية الموز” كل شيء ممكن…
المساومات ممكنة، التبريرات جاهزة، الانقلابات في المواقف تحدث بين مساءٍ وصباح، حتى الخجل نفسه بات ترفًا.
كل شيء وارد… إلا الكرامة.
الكرامة هناك ليست شعارًا يُرفع في المهرجانات، بل موقفًا يُدفع ثمنه.
ليست بيانًا يُتلى، بل قرارًا يُتخذ.
وليست صورة تُعلّق، بل سلوكًا يُعاش.
نبحث عنها…
وربما سنبحث طويلًا.
لكن الحقيقة التي لا يريدون سماعها أن الكرامة لا تُمنح من وصيّ، ولا تُستورد، ولا تُستعار. الكرامة تُنتزع حين يكبر الوعي، وحين يكفّ الناس عن التصفيق للكلمات ويطالبون بالأفعال.
ربما مات كبارنا، وربما رحل رجالٌ كانوا يشبهون زمنًا آخر،
لكن الكرامة لا تموت إن بقي فينا من يرفض أن ينحني.

Exit mobile version