وطنٌ في الواقع لا في الخطابات…

بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد 

إذا كنّا نريد وطنًا في الواقع، لا وطنًا في الخطابات وعلى الورق، فعلينا أن نعيد النظر في كل ما أوصلنا إلى هذا الفلتان المخيف.

أعيدوا خدمة العلم، وأعيدوا هيبة القانون، واجعلوا العقوبة رادعة وحقيقية، وإلا فعلى الوطن السلام.
لماذا خدمة العلم؟

لأن الجيش، في بلد تتراجع فيه سلطة الدولة وتتسع فيه الآفات الاجتماعية، ليس مجرد مؤسسة تحمل السلاح وتحمي الحدود. الجيش مدرسة وطنية وأخلاقية؛ مدرسة تعلّم الشاب الانضباط، المسؤولية، احترام الآخر، الالتزام بالقانون، والعمل مع الجماعة، وتزرع فيه معنى الوطن بعيدًا عن كل الانتماءات الضيقة.

في ظل ما نشهده اليوم من تفلت، ومخدرات، وعنف، وسلاح متفلت، وانهيار في منظومة القيم، أين يمكن أن يجد الشاب مساحة تصقل شخصيته وتعيد بناء علاقته بالدولة والوطن؟

الجيش يستطيع أن يكون إحدى هذه المساحات الأساسية.
أما الجريمة، فلا يكفي أن نقول للمجرم: هناك قانون.
القانون الذي لا يُخشى منه، لا يردع.

وعندما تصبح العقوبة، في نظر المجرم، مجرد فترة يقضيها ثم يعود إلى حياته، فإننا لا نكون قد حمينا المجتمع، بل نكون قد أضعفنا هيبة القانون.

السجن يجب أن يكون عقوبة حقيقية، والإجراءات القضائية يجب أن تكون جدية وسريعة، والأحكام يجب أن تُنفَّذ، ومن يعتدي على الناس والمجتمع والدولة يجب أن يعرف مسبقًا أن هناك ثمنًا حقيقيًا لجريمته.

لا دولة بلا ردع، ولا مجتمع بلا قانون، ولا قانون بلا هيبة.
نحن لا نحتاج إلى المزيد من الخطب والشعارات.
نحتاج إلى دولة تقول للشاب: هذا وطنك، وهذه مؤسساتك، وهذا قانونك.

نحتاج إلى أن نعيد إليه معنى الانتماء، وأن نعيد إلى القانون قدرته على الردع، وإلى الجيش دوره في بناء المواطن، لا أن نترك جيلًا كاملًا يتعلم من الشارع ما كان يجب أن يتعلمه من الدولة.

فإذا كانت الدولة عاجزة عن حماية شبابها من الانحراف، وعاجزة عن ردع المجرم، وعاجزة عن فرض القانون، ثم تطلب من المواطن أن يؤمن بها، فأي وطن نبني؟

الوطن ليس علمًا يُرفع، ولا نشيدًا يُعزف، ولا خطابًا يُلقى.
الوطن دولةٌ تحمي، وقانونٌ يُطبَّق، وجيشٌ يُحترم، وعقوبةٌ تردع، وشبابٌ يعرفون أن لهم وطنًا يستحق أن ينتموا إليه.
وإلا… فلن يبقى من الوطن إلا اسمه.

Exit mobile version