عون يتمسّك بطاولة التفاوض.. وإسرائيل ترد بالنار!- ماذا تريد واشنطن من لبنان؟

كتب علي قصاب

ليس إصرار الرئيس جوزاف عون على التفاوض موقفًا عابرًا ولا مناورة دبلوماسية للاستهلاك الداخلي. الرجل يعرف أن لبنان يقف على حافة معادلة شديدة القسوة: إما أن تبقى طاولة التفاوض مفتوحة، وإما أن يعود الميدان ليكون صاحب الكلمة الأولى والأخيرة. ولذلك قال عون بوضوح إن المفاوضات، رغم صعوبتها وبطئها، أفضل من الحرب، وإن الأهداف اللبنانية ـ تحرير الجنوب، نشر الجيش حتى الحدود، استعادة الأسرى، عودة الأهالي وإعادة الإعمار ـ لا يمكن تحقيقها بالحرب، بل عبر التفاوض. لكن هذه المعادلة الرئاسية تصطدم بحقيقة أكثر قسوة: لبنان يفاوض فيما إسرائيل تضغط بالنار، والوسيط الأميركي يتحرك بين الطرفين محاولًا انتزاع أرضية تسمح باستئناف المسار. الجولة السابعة انتهت من دون اختراق حاسم، وسط خلافات حول الانسحاب الإسرائيلي، وتوسيع المناطق التجريبية، وشروط تتصل بدور الجيش وملف سلاح حزب الله.

هنا تبدأ القصة الحقيقية. فالرئيس عون لا ينظر إلى واشنطن باعتبارها مجرد وسيط ينقل الرسائل؛ بل باعتبارها الطرف الأكثر قدرة على الضغط على إسرائيل. وهذه القراءة تفسر تمسّكه بعدم إغلاق الباب الأميركي مهما كان المسار بطيئًا. فالولايات المتحدة هي التي تستطيع، نظريًا وسياسيًا، الانتقال من دور الوسيط إلى دور صاحب التأثير الفعلي على القرار الإسرائيلي. لكن هذا النفوذ لا يأتي مجانًا. السفير الأميركي ميشال عيسى أعلن أن واشنطن ترى في مسار «المناطق التجريبية» الطريق العملي نحو الأمن والاستقرار، وأن نزع سلاح حزب الله جزء من هذه العملية. كما قال إن واشنطن مستعدة للتفاوض مع الحزب إذا كان لديه «شيء ليقدمه». وهنا تكمن العقدة: هل تريد واشنطن تسوية توقف الحرب، أم تسوية تعيد هندسة المشهد اللبناني الأمني والسياسي؟ الفارق بين السؤالين هائل، لأنه يحدد حجم ما سيُطلب من بيروت.

والأخطر أن إسرائيل لا تدخل هذه المعادلة وهي في موقع المتلقي. خلال الجولة السابعة، رفضت تل أبيب تقديم انسحابات جديدة من الجنوب، وطرحت مطالب إضافية تتعلق بتفتيش نسبة كبيرة من المنازل جنوب الليطاني للتحقق من عدم وجود أسلحة. كما بقيت العمليات العسكرية الإسرائيلية مستمرة، ما جعل التفاوض يجري تحت ضغط ميداني مباشر. وفي المقابل، تحرك ميشال عيسى بين بيروت وتل أبيب، والتقى في تل أبيب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في محاولة لدفع المسار نحو الجولة التالية. وبحلول الثاني من أيلول، برزت معلومات عن اتجاه لعقد الجولة الثامنة في روما في منتصف أيلول، مع تداول تاريخي 15 و16 منه، فيما ظل الجانب اللبناني بانتظار التبليغ الرسمي الأميركي النهائي.

لهذا، فإن الاختبار الحقيقي أمام عون لا يتمثل في قدرته على إبقاء المفاوضات حيّة؛ بل في قدرته على منع تحويل التفاوض إلى مسار أحادي الاتجاه: لبنان يقدم، وإسرائيل تطلب، وواشنطن تدير المسافة بينهما. الاستمرار في التفاوض يمنح بيروت فرصة ثمينة لتجنب حرب جديدة، وهذا بحد ذاته مكسب لا يمكن الاستهانة به. لكن التفاوض يصبح خطرًا حين تتحول الحاجة إلى وقف الحرب إلى نقطة ضعف تفاوضية. ولذلك فإن الجولة الثامنة، إذا انعقدت في موعدها، لن تكون مجرد جولة تقنية أخرى. إنها اختبار للحدود التي يمكن أن تصل إليها التنازلات اللبنانية، وللقدرة الأميركية على إلزام إسرائيل بما يطلب من لبنان، ولما إذا كانت واشنطن تريد بالفعل إغلاق جبهة الجنوب أم إعادة ترتيبها بشروط جديدة. أما عون، فيراهن على أن الوقت والسياسة والدبلوماسية يمكن أن تنتج مخرجًا لا تنتجه القذائف. لكن السؤال الذي سيحسم مستقبل هذا المسار ليس ما إذا كان لبنان سيجلس إلى الطاولة، بل ماذا سيبقى في يده عندما يبدأ توزيع الأوراق.

عن الكاتب: علي قصاب

صحافي ومستشار الندوة الاقتصادية.
مدير تحرير موقع .

متخصص في التحليل السياسي والاقتصادي، يركز في كتاباته على تقديم الخبر بسياقه التحليلي وفهم أبعاد القضايا الراهنة بمهنية وموضوعية.

Exit mobile version