حين يصبح الاختلاف في الرأي جريمة…

بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد

عندما يعبّر إنسان عن رأيه، حتى لو كان رأيه السياسي مخالفًا لما نؤمن به، فإن أبسط قواعد الاختلاف أن نناقشه بالكلمة والحجة، لا بالشتيمة والتخوين والتشهير. فالرأي لا يصبح جريمة لأنه أزعج البعض، وصاحبه لا يفقد حقه في التعبير لأنه اختار أن يرى وطنه من زاوية مختلفة.

وهذا ينطبق على ريما عاصي الرحباني، التي عبّرت عن موقفها السياسي بكل وضوح، وأعلنت ما تؤمن به، كما تحدثت عن موقفها من المقاومة وتضحياتها، وعن لبنان الواحد، لبنان الـ10452 كلم².

قد نختلف معها، وقد نرفض موقفها أو بعض ما قالته، وهذا حق مشروع. لكن حقها في أن تقول رأيها لا يحتاج إلى إذن من أحد.

واللافت أن ما قالته لم يتوقف عند موقفها الشخصي، بل عادت إلى حادثة تتعلق بشقيقتها الراحلة ليال، وروت، بحسب ما جاء على لسانها، أن ليال تعرضت للضرب والاحتجاز أثناء تصويرها فيلمًا عن حياة الرئيس بشير الجميل.

أنا هنا لا أضع نفسي مكان القاضي، ولا أدّعي امتلاك الحقيقة الكاملة في تلك الحادثة؛ إنما أتوقف عند ما قالته ريما وروته عن شقيقتها. ومن حقها أن تروي ما تعرفه أو ما تؤمن بصحته، كما أن من حق الآخرين أن يناقشوا روايتها أو يقدموا رواية مختلفة. لكن ليس من حق أحد أن يحوّل الاختلاف إلى إساءة أو تشهير.

ثم امتد الأمر إلى عاصي ومنصور الرحباني، فظهرت اتهامات تنتقص من تجربتهما، وتذهب إلى القول إنهما ركبا موجة القومية العربية لمصلحة شخصية.

وهنا أيضًا يحق لنا أن نسأل بهدوء: هل يجوز أن نحاكم تجربة فنية وثقافية بكاملها لأن أحد أفراد عائلتها عبّر، بعد عقود، عن موقف سياسي لا يعجب البعض؟

عاصي ومنصور تركا وراءهما أعمالًا لا تزال حاضرة في الذاكرة اللبنانية والعربية. والتاريخ الفني لا يُختصر بمنشور، ولا يُمحى بخلاف سياسي، ولا يُعاد تشكيله وفقًا لمزاج اللحظة.

قد يختلف الناس في تقييم مواقفهما السياسية، وهذا طبيعي، لكن تحويل الاختلاف إلى تشهير أو اتهام بالنوايا يحتاج إلى أكثر من الكلام؛ يحتاج إلى دليل.

أما ريما، فلها أن ترث من أبيها وعمها الفن والموهبة والذاكرة، لكن ليس مطلوبًا منها أن ترث بالضرورة مواقف الآخرين السياسية. لها رأيها، ولغيرها رأي مخالف، والوطن يتسع للرأيين.

وعندما يصف الإنسان أمرًا بما يراه عليه، فالأجدى بمن يعنيه الكلام ألا ينشغل بمهاجمة من قاله، بل أن يتوقف لحظة ليسأل نفسه: هل في هذا الوصف شيء يستحق المراجعة؟

فإن كان الوصف خاطئًا، فليكن الرد بالحجة. وإن كان فيه شيء من الحقيقة، فالأجدى العمل على إزالة أسبابه بدل مهاجمة المرآة التي عكست الصورة.

أما أن تتحول الأبواق إلى أدوات للرد بسفالة، والتعرض للناس لمجرد أنهم قالوا ما يؤمنون به، فذلك لا يثبت صحة الموقف، بل يفتح بابًا آخر من الإساءة لا حاجة للوطن إليه.
لسنا أهلًا للمسؤولية حين يصبح الاختلاف سببًا لإسكات الآخر، بل نصبح أمام مسؤولية المساءلة والمحاسبة عن كل ما ترك جرحًا في ذاكرة هذا الوطن.

فالمسؤولية ليست منصبًا يُحتمى به، ولا سلطة تُستعمل لإسكات الناس، ولا أبواقًا تُطلق كلما قيل كلام لا يعجب أصحابها.

المسؤولية أمانة، والاختلاف حق، والكرامة حق، وحرية التعبير حق.

ومن يملك ردًا على كلام ريما، فليكن الرد بالكلمة والحجة. ومن يملك رواية مختلفة عما روته عن شقيقتها ليال، فليقدمها. ومن يختلف مع رؤيتها للمقاومة أو للبنان، فليشرح لماذا.

أما الشتيمة فلا تصنع حقًا، والتشهير لا يصنع حقيقة، والصوت المرتفع لا يغيّر التاريخ.

وعاصي ومنصور لا يحتاجان إلى معركة جديدة بعد رحيلهما؛ أعمالهما موجودة، والتاريخ موجود، وكل إنسان حر في أن يقيّم تجربتهما كما يراها.

أما لبنان الذي نريده، فهو لبنان الـ10452 كلم² الذي يتسع للجميع: لمن يؤيد، ولمن يعارض، ولمن يختلف، ولمن يروي ذاكرته، دون أن يتحول الاختلاف إلى تهمة، والرأي إلى جريمة، والإنسان إلى هدف.

اتركوا الناس يقولون ما يؤمنون به.

فالوطن الذي يتسع للجميع لا يخاف من رأي، ولا يحتاج إلى أبواق تحرسه من كلمة.

Exit mobile version