بقلم// خضر رسلان
ليس من السهل الحديث عن الإمام موسى الصدر من زاوية واحدة، لأنه كان مشروعاً متكاملاً جمع الإنسان والوطن والجنوب والمقاومة والوحدة الوطنية وفلسطين والقدس. لكن من أكثر الجوانب التي تستحق أن تُستعاد اليوم، موقع الإمام بوصفه إماماً للمقاومة، بعدما استشرف مبكراً حجم الخطر الإسرائيلي على لبنان.
كان الإمام الصدر يرى ما لم يكن كثيرون يريدون رؤيته. أدرك أن إسرائيل لا تمثل خطراً على فلسطين وحدها، وأن جنوب لبنان سيكون في قلب الأطماع والاعتداءات الإسرائيلية، وأن إبقاء الجنوب ضعيفاً ومكشوفاً يعني ترك لبنان كله أمام الخطر.
لذلك لم تكن كلماته عن الجنوب مجرد توصيف لمعاناة أهله، بل إعلاناً عن رؤية وطنية متقدمة. قال الإمام موسى الصدر: «لا نقبل أن يبتسم لبنان ويبقى جنوبه متألماً». وفي هذه العبارة تختصر فلسفة كاملة: لا لبنان من دون الجنوب، ولا استقرار للبنان إذا بقي الجنوب ساحة مفتوحة أمام العدو.
ومن هنا، كان الإمام موسى الصدر سبّاقاً إلى الدعوة لإعداد اللبنانيين لمواجهة الخطر الإسرائيلي. لم يكتفِ بالتحذير، بل دعا إلى «تكوين مجتمع حرب»، لأنه كان يعرف أن الاحتلال لا يردعه الضعف، وأن الأرض التي لا يدافع عنها أهلها تصبح مطمعاً دائماً.
ولهذا كان إماماً للمقاومة بالفعل والموقف، لا بالمعنى الرمزي فقط. فقد ساهم في تأسيس أفواج المقاومة اللبنانية «أمل»، وربط الدفاع عن الجنوب بالدفاع عن لبنان كله، وحوّل قضية الجنوب من قضية مناطقية إلى قضية وطنية جامعة.
وهذا الإرث المقاوم لم يتوقف عند زمن الإمام موسى الصدر، بل امتد في الجنوب عبر أجيال من المقاومين، وصولاً إلى المقاومة بجناحيها الوطنيين، حركة أمل وحزب الله، اللذين قدّما التضحيات دفاعاً عن الأرض والسيادة وحق لبنان في مقاومة الاحتلال.
وفي هذا السياق، يبرز الشهيد الأسمى السيد حسن نصرالله، الذي كان شديد التأثر بفكر الإمام الصدر، ولا سيما في نظرته إلى الصراع مع العدو الصهيوني، وإلى المقاومة باعتبارها مسؤولية وطنية وأخلاقية، وإلى الوحدة الوطنية باعتبارها شرطاً أساسياً لحماية لبنان.
ولم يكن تأثر السيد حسن نصرالله بالإمام موسى الصدر مجرد إعجاب بشخصية تاريخية، بل كان امتداداً فكرياً وروحياً. فقد رأى فيه نموذجاً للقائد الذي يجمع بين البعد الوطني والاجتماعي والمقاوم، ويضع قضية الإنسان في قلب مشروع مواجهة الاحتلال.
ومن هذه الزاوية، فإن تقديم الإمام موسى الصدر بوصفه إماماً للمقاومة ليس إسقاطاً للحاضر على الماضي، بل قراءة لما قاله الإمام، وما فعله، وما أسس له.
فالإمام دعا إلى الوحدة الوطنية، لكنه لم يجعل منها استسلاماً للخطر. ودعا إلى الدولة، لكنه لم يعتبرها ذريعة لترك الجنوب مكشوفاً. ودعا إلى الحوار، لكنه لم يساوِ بين المعتدي والمعتدى عليه. وكان واضحاً في رفض الاحتلال والتوطين، وفي الدفاع عن الجنوب وفلسطين والقدس.
وكان يقول عن القدس: «إن شرف القدس يأبى أن يتحرر إلا على أيدي المؤمنين الشرفاء». وهذه الكلمات تؤكد أن فلسطين والقدس لم تكونا عند الإمام موسى الصدر مجرد عنوانين سياسيين، بل جزءاً من رؤية متكاملة للصراع مع المشروع الإسرائيلي.
ومن الخطأ أن نقرأ الإمام موسى الصدر مجتزأً: نأخذ منه دعوته إلى الوحدة الوطنية وننسى دعوته إلى مجتمع الحرب؛ نستحضر دفاعه عن الدولة ونغفل دفاعه عن الجنوب؛ نتحدث عن حرصه على لبنان ونتجاهل أنه رأى في مواجهة إسرائيل جزءاً من حماية لبنان.
لم يكن الإمام موسى الصدر أمام خيار بين لبنان والمقاومة؛ كان يرى أن المقاومة من أجل لبنان، وأن الدفاع عن الجنوب دفاع عن لبنان، وأن السيادة تحتاج إلى القدرة على حمايتها.
ومن هنا يبرز السؤال أمام كل من يكتب أو يخطب اليوم محاولاً الفصل بين الإمام موسى الصدر والمقاومة: أيُّ تناقض يريدون صناعته؟
كيف يمكن قراءة الإمام الصدر خارج المشروع الذي أسس له، أو اختزال رؤيته للمقاومة في صورة لا تمت إلى جوهرها بصلة؟ وهل كان الإمام الذي رأى في الدفاع عن الجنوب دفاعاً عن لبنان، ودعا إلى «مجتمع حرب» في مواجهة الخطر الإسرائيلي، سيقبل اليوم بالفصل بين لبنان ومقاومته، أو بين السيادة والقدرة على حمايتها؟
لو كان الإمام موسى الصدر بيننا اليوم، هل كان سيقف متفرجاً أمام أي اعتداء على لبنان أو احتلال لأرضه؟ وهل كان سيقبل أن يصبح الدفاع عن الأرض تهمة، فيما يُطلب من أصحابها التخلي عن وسائل الدفاع عنها؟
الإجابة لا تحتاج إلى كثير من التأويل.
كان الإمام موسى الصدر سيقف حيث وقف دائماً: مع لبنان، مع الجنوب، مع حق اللبنانيين في حماية أرضهم، مع فلسطين والقدس، ومع الوحدة الوطنية في مواجهة العدو.
وكان سيرفض أن تتحول الوحدة الوطنية إلى غطاء للتماهي مع العدو، أو أن تتحول التسويات إلى طريق لتثبيت الاحتلال، أو أن يُقدَّم أي تنازل يمس سيادة لبنان تحت أي اسم أو إطار.
لأن الإمام موسى الصدر لم يكن رجل استسلام، بل رجل كرامة ومقاومة.
ولهذا فإن الوفاء للإمام موسى الصدر يكون بقراءته كما كان: إماماً للمحرومين، وإماماً للوحدة الوطنية، وإماماً للمقاومة.
أما الذين يحاولون الفصل بين هذه العناوين، فلا يقدمون الإمام موسى الصدر كما كان، بل كما يريدون له أن يكون.
الإمام موسى الصدر لم يكن خارج مشروع المقاومة؛ كان أحد الذين وضعوا لبناته الأولى، وقرأوا مبكراً الخطر الذي يهدد لبنان من بوابة الجنوب. ومن يحاول اليوم الفصل بين الإمام الصدر والمقاومة، إنما يفصل بين المقدمات ونتائجها، وبين الفكرة ومسارها، وبين الجنوب ولبنان.
ذلك الجنوب الذي، بحسب فكر الإمام الصدر ومنهاجه، لن يكون لبنان فيه مبتسماً إلا بتحرير أرضه ودحر الاحتلال عنها.
