كتب علي قصاب
في مهنة المتاعب التي ما نزال نمارسها، تعلمنا أن الحقيقة لا تقبل القسمة على اثنين، وأن الوقوف في منتصف العصا حين يتعلق الأمر بأرواح الناس، ليس حكمة، بل هو خذلان صارخ.
في إطلالته الأخيرة ضمن برنامج “بيوند ليمتس”، نعى وليد القباني، مؤسس فريق “ويليد”، العداء الشاب محمد علي دعبول، موجهاً تعازيه الحارة لوالديه المفجوعين، ريان ووائل. وقد أسهب قباني في وصف الأخلاق الرفيعة والالتزام الديني العميق الذي كان يتمتع به الفقيد، مؤكداً أن خسارته لا تُعوض، وموضحاً أن الوفاة نتجت عن توقف مفاجئ في عضلة القلب أثناء مشاركة الشاب في سباق “هالف ماراثون”.
إلى هنا، يبدو الكلام عاطفياً ومؤثراً، لكن المفارقة الصادمة تجلت في الموقف “الرمادي” الذي اتخذه القباني كقائد للمجموعة التي ينتمي إليها الشاب. فقد صرّح بوضوح أن فريقه اختار عدم مهاجمة أي طرف أو الانحياز لأي جهة، مكتفياً برفع يديه عن القضية بحجة أن الملف بات بعهدة القضاء.
هنا، وفي ميزان الصحافة الاستقصائية والضمير المهني، يجب أن نرفع الصوت: هذا المدرب قد خذل الشاب محمد علي! ففي قضايا الإهمال التي تزهق الأرواح، من لم ينصر الباطل ولكنه اختار الصمت، فقد أزهق الحق بلا ريب. لقد اختار قباني أن يكون حيادياً، لاعتبارات شخصية، باتت معروفة، متجاهلاً العاصفة من الكلام والإشاعات الخطيرة التي رافقت الحادثة. والتي تشير إلى كارثة ميدانية مكتملة الأركان؛ إذ تُرك ابن فريقه محمد علي دعبول ملقى على الأرض لأكثر من نصف ساعة قبل أن يصل طاقم الإسعاف. إنها “الدقائق الذهبية” الأولى التي تفصل بين الحياة والموت، والتي ضاعت هدراً على أرصفة الإهمال، وذهب معها روح محمد علي دعبول إلى الأبد.
وإمعاناً في كشف التناقضات التي تلف هذا الملف، تبرز واقعة تزيد من مرارة الفقد وتعمق جراح العائلة المفجوعة. فقد كشفت الكواليس أن وليد القباني لم يكتفِ بالصمت الميداني، بل ذهب لتقديم واجب العزاء لوالدة الفقيد، ريان، في منزلها. ولم يكن وحيداً في تلك الزيارة، بل رافقته لمى- ابنة الوزير السابق أكرم شهيب، ومدربة رياضية أخرى، وهما تنتميان أيضاً إلى فريق “ويليد”، وقد شددا بدورهما على ان المهمل يجب على الدولة محاسبته مهما علا شأنه!
في ذلك المجلس المفعم بالحزن، وعلى رأس وفده، قطع القباني عهوداً للوالدة بأنه سيقف إلى جانبها، وبأنه سيدعمها حتى النهاية لكشف الحقيقة. ولكن المفارقة الموجعة، والتي ترقى إلى مستوى “الخذلان المزدوج”، تجلت بعد يومين فقط من تلك الزيارة؛ حيث أصدر هذا المدرب بياناً رسمياً تنصل فيه بالكامل من كل التعهدات والوعود التي قطعها في حضرة الموت وأمام دموع الأم، ليحتمي مجدداً خلف متراس “الحياد” البارد ورمي الكرة في ملعب القضاء، متناسياً أن وعود العزاء لا تسقط بالتقادم، وأن الكلمة موقف، والتراجع عنها في قضايا الدم هو اشتراك مقنع في طمس الحقيقة. والمفارقة المبكية هي أن القباني نفسه قدم مناظرات عن أهمية إجراء الفحوصات الطبية، وشدد على الضرورة القصوى لوجود “خطط طوارئ” (Emergency Plans) للتعامل مع الحوادث. فكيف يستقيم تنظيره لخطط الطوارئ على الشاشات، مع الصمت المطبق عن غيابها التام في الميدان؟ وكيف تستقيم قيادة فريق رياضي مع التخلي عن أبنائه في منتصف معركة البحث عن العدالة؟!
إن الرياضة التي لا تحمي أبناءها ولا تصرخ في وجه مقصريها هي مجرد استعراض فارغ. ومهما طالت مسافات الماراثون، فإن أطول مسافة يمكن أن يقطعها الإنسان هي تلك التي تفصل بين الصمت الرمادي، وبين قول كلمة حق امام سلطان جائر تنصف دماء من رحلوا.
