الوراثة السياسية وانتظام العمل السياسي… مقبرة الطموح وهجرة النخب…

بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد 

ليست أزمة الوطن في السياسة بحدّ ذاتها…
بل في تلك اللحظة التي تتحوّل فيها السياسة من خدمة عامة إلى إرث،
ومن مسؤولية وطنية إلى حق عائلي،
ومن مشروع دولة إلى نظام مغلق لا يفتح أبوابه إلا لمن يحمل “الاسم”، لا لمن يحمل “الكفاءة”.
في بلدان كهذه، لا تُقصى الكفاءات لأنها ضعيفة…
بل لأنها تُزعج.
لأن وجودها يفضح الرداءة.
لأن نظافتها تكشف حجم العفن.
ولأن قدرتها على الإنجاز تهدّد امتيازات العاجزين الذين لا يملكون سوى الشبكات، والزبائنية، والتبعية.
الوراثة السياسية ليست انتقال مقعد من أب إلى ابن…
بل انتقال عقلية كاملة:
أن الوطن ملكية خاصة،
وأن الدولة مزرعة،
وأن الشعب جمهورٌ انتخابي يُستدعى عند الحاجة ثم يُعاد إلى النسيان.
أما ما يسمّونه “انتظام العمل السياسي”،
فهو في كثير من الأحيان ليس انتظامًا…
بل انتظام في تقاسم الغنائم.
انتظام في تدوير العجز.
انتظام في إعادة إنتاج الوجوه نفسها،
بخطاب جديد، وملصقات جديدة،
لكن بالمنطق ذاته:
حصص، صفقات، محسوبيات… ثم انهيار.
وهنا تبدأ المقبرة.
مقبرة طموح كثير من الكفاءات التي صدّقت يومًا أن الوطن قد يكافئ الجدارة.
أن العمل الشريف قد يجد طريقه.
أن الاجتهاد قد يصبح سلّمًا طبيعيًا نحو المسؤولية.
لكنها تصطدم بالحقيقة:
الطريق ليس مفتوحًا للمتفوّق،
بل لمن يملك “المفتاح”.
وليس للذي يملك رؤية،
بل للذي يملك غطاء.
وليس لمن يملك مشروعًا،
بل لمن يملك شبكة مصالح تحميه.
وحين يدرك النزيه أنّه في معركة غير عادلة…
لا ينهزم بالصراخ،
بل ينسحب بصمت.
ثم يتراجع.
ثم يهاجر.
وهكذا تبدأ الجريمة الأكبر:
هجرة النخب.
هجرة الذين كان يمكن أن يكونوا وزراء دولة لا وزراء تسويات.
هجرة الذين كان يمكن أن يكونوا قضاة عدالة لا قضاة محاصصة.
هجرة الذين كان يمكن أن يكونوا رجال إدارة لا موظفين في بلاط الزعيم.
هجرة الذين كان يمكن أن يكونوا ضمانة الوطن… فإذا بهم يتحوّلون إلى ضمانة لبلدان أخرى.
وهذه الهجرة لا تُقاس بالأرقام فقط،
بل تُقاس بالفراغ الذي تتركه خلفها:
فراغ في الإدارة،
فراغ في المؤسسات،
فراغ في الجامعات،
فراغ في الصحافة،
وفراغ أخطر…
في الوعي والأمل.
المؤلم أنّ النظام لا يشعر بالخطر فورًا.
بل بالعكس…
يرتاح.
لأن الكفاءة كانت تزعجه.
والضمير كان يفضحه.
والنظيف كان يحرجه.
لكن الوطن… لا يرتاح.
الوطن يدفع الثمن ببطء:
تآكل في الدولة،
تفكك في المجتمع،
انهيار في الاقتصاد،
وتحوّل الناس إلى جماعات تبحث عن حماية بدل أن تبحث عن عدالة.
إنّ الوراثة السياسية تقتل طموح الفرد،
لكنها أيضًا تقتل فكرة الوطن.
وحين تموت فكرة الوطن…
يصبح كل شيء قابلًا للبيع:
الموقف،
القانون،
الكرامة،
وحتى الإنسان نفسه.
لهذا، ليست الكارثة أن النخب تهاجر فقط…
الكارثة أنّ الوطن يُترك في النهاية
لمن لا يملك كفاءة البناء…
بل مهارة الهدم.

Exit mobile version