استئذان الرسول محمد ﷺ عند الأمر الجامع .. إعداد الباحث: محمد بسام شوكت كبارة بمناسبة حلول ذكرى مولد المصطفى النبي محمد ٢٤/٨/٢٠٢٦
أولًا: المقدمة
في خضمِّ الأحداث والفتن والتحديات التي تواجه وحدة الأمة الإسلامية، وفي ظلِّ وجوب نصرة الله ورسوله باتباع الصراط المستقيم عند كل أمر جامع جلل يهز كيان الأمن الإسلامي في أي بقعة من بقاع الأرض، يجب على كل مسلم مؤمن أن يعمل على شدِّ أواصر التعاضد والتناصر، وتوحيد الكلمة المنبثقة من سنن الله وسنة رسوله محمد ﷺ.
ويمثل هذا المنهج الرباني أساسًا للنصر، سواء أكان نصرًا معنويًّا أم ماديًّا فعليًّا. وقد قرن الله تعالى في آيات عديدة طاعته بطاعة الرسول النبي محمد ﷺ؛ كما أوضحنا في كتابنا: «الرسول النبي محمد ﷺ في القرآن الكريم».
ويُفهم من هذا الاقتران أن أوامر الرسول ﷺ ونواهيه في نطاق التبليغ والتشريع واجبة الاتباع؛ لأنها مستمدة من الوحي الذي تلقاه من الله تعالى، مصداقًا لقوله سبحانه:
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ﴾
[النجم: 3-5].
وعلى المنوال نفسه، جاءت الآية الثانية والستون من سورة النور مؤكدةً هذا المنحى، إذ قال الله تعالى:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
[النور: 62].
لا يقتصر مغزى هذه الآية الكريمة على ما ورد بشأنها من تفسيرات معتبرة لدى أئمة المسلمين وعلمائهم، ويمكن الرجوع إليها في مظانها؛ بل يثير النص إمكان البحث في دلالات تأويلية تتصل بتطبيق المبدأ الذي تقرره الآية في زماننا وفي الأزمنة المقبلة، في ضوء الاعتبارات التي تلائم كل عصر، مع بقاء النص القرآني ثابتًا ومحفوظًا.
ومن هنا نطرح سؤالًا محوريًّا:
هل يقتصر حكم الآية على وجود المؤمنين مع الرسول ﷺ في حياته، أم أن المبدأ الكلي المستفاد منها يظل ممتدًّا بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى؟
ثانيًا: التأويل الآني والمستقبلي للآية
1. تعريف التأويل
عرَّفنا التأويل في كتابنا المشار إليه بما مؤداه:
التأويل هو صيرورة الآيات والأحاديث والرؤى، أو تحقق مدلولاتها المتصلة بالغيب الماضي أو الغيب المستقبلي، على مرتبة من مراتب اليقين: إما علم اليقين، أو إما عين اليقين، أو حق اليقين.
أما ما يتعلق بالذات الإلهية، فيندرج تحت قول الله تعالى:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
[الشورى: 11].
وقد يُستعمل التأويل كذلك بمعنى تفسير القرآن الكريم، وبيان معانيه جملةً أو مفردات، وردِّ اللفظ إلى أصله اللغوي أو إلى ما يؤول إليه معناه. وهذا باب يقوم به من تفقه في الدين، ورُزق أدوات العلم والفهم، مع استحضار موقف الراسخين في العلم الذين يقولون:
﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾
[آل عمران: 7].
ويمكن، بناءً على ذلك، التمييز في هذه الدراسة بين مستويين:
* التفسير: وهو بيان المعنى المباشر للنص في سياقه اللغوي والتاريخي الأول.
* التأويل: وهو البحث في تحقق دلالة النص أو امتداد مبدئه الكلي في الواقع، ضمن ضوابط اللغة والسياق وأصول الاستنباط، ومن غير إلغاء لمعناه الأصلي. والذي يتصل بالراسخين في العلم ( هذه إشارة إلى قول الله تعالى في سورة آل عمران (الآية 7): ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، وهي تكملة لقوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾.
* ونستطرد في القول بأن الله سبحانه و تعالى خص الرسول محمد ﷺ بمنزلة لم ولن يبلغها أحد من عباده فهو السراج المنير ، والأسوة الحسنة وأوتي سبعا من المثاني والقرآن العظيم ، فكان بشيراً ونذيراً وحكماً وهادياً إلى الصراط المستقيم وهذا النور المحمدي الخالص لطاعة الله جل وعلى ، مكن رسول الله محمد ( ص ) من نشر الدعوة والايمان وبيان وترتيل القران الكريم ، وتأويل ما قدره الله له في أحاديث وسنة صحيحة ، فتأويل أمر الله في القران الكريم للرسول ( ص ) هو فعل الرسول لهذا الامر، من ذلك ما روي عن عائشة رضى الله عنها قالت ” كان رسول الله ( ص ) يقول في سجوده وركوعه ” سبحانك اللهم وبحمدك اللهم أغفر لي ” يتأول القران ، تعني قول القران ” فسبح بحمد ربك واستغفره .
كما دعا الرسول الكريم لابن عباس فقال ” اللهم علمه التأويل وفقهه في الدين.
فما هو أثر فهم التأويل ومراميه وتعريفه على المسائل الكلية أو الفرعية المستنبطة من النصوص القرآنية، والتي أدت إلى سبب اختلاف الفقهاء في احكام وشروط تلك المسائل.
فالتأويل كلمة ذكرت في القرآن الكريم سبعة عشر مرة في أكثر من سبع سور و15 أية.
كذلك فأن كلمة مفردة التفسير ذكرت في القرآن عدة مرات.
فلا يمكن تعريف التأويل بأنه يتضمن التفسير والبيان لمعاني القرآن الكريم، وان كان كثير من العلماء يستعملون كلتا الكلمتين بمعنى واحد.
فالتفرقة بين مفهوم وتعريف كلمة التفسير وبين كلمة التأويل أساس ضروري للوصول إلى حدود شرح وبيان واستكناه الاحكام القرآنية ذلك أن عبارة ” تأويل ” ما فتئت تختزن بواعث الأمل بإعادة ترتيب الأولويات الإسلامية التي ترمي إلى وحدة المنهج الإسلامي فهماً وتطبيقاً لمواجهة التحديات الحالية والمستقبلية المنبثقة من رحم متأسلمين نحلو سبعين فرقة خاطئة ، وإعدادا لمنهج الحق سبحانه والرحمة المهداة ، حتى أصبح منهج الحق والسلم والسلام غثاء كغثاء السيل يتقاذفه المفسدون في الأرض ، كذلك يطمثه أعداء الإسلام والكفار على حد سواء
فالله تعالى عندما يحدثنا عن الجنة إنما يحدثنا عن أشياء من جنس ما نعرف وليس من جنس ما لانعرف ، مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقو وعقبى الكافرين النار ( الرعد 35 )
” والرسول ( ﷺ) قال عن الجنة : فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ”
أما معنى التأويل على أنه تفسير وبيان لمعاني القرآن الكريم جملة أو مفردات كلماته وارجاع المعنى إلى اصل الكلمة أو حسب المآل فهو يصح لمن تفقه بالدين وعلمه الله التأويل بالمفهوم غير الإلهي ويقوم به الراسخون في العلم الذين يقولون امنا به كل من عند ربنا ( آل عمران -6 )
فالقرآن الكريم سلس سهل يفهمه ويعيه ويؤمن به كل من يستطيع قراءته أو سماعه ، فكل وسعته في استيعاب واستجلاء وبيان وتفصيل وشرح وتدبر آياته ، فمن يتعمق فيه ، ويتفقه فيه يستخرج من درره وكنوزه وحقائقه ما لا تتسع لكتابته أقلام الدنيا ومداد سبع أبحر كما جاء في( سورة الكهف 109 )
لذلك كان الفقهاء والراسخون في العلم قادرين على اكتشاف هذه الكنوز في كل مطلع قرن وما الموسوعات العلمية والنظريات النابعة من القرآن الكريم وتطورها منذ اكتمال نزوله إلى الأن سوى الدليل الرائع على أن القران الكريم صالح لكل زمان ومكان وإنما على البشر واجب اكتناه ومعرفة هذه الكنوز وبيان معجزاته وإعجازه ولكن ذلك لا يعني أن عبارات القرآن الكريم أو كلماته غامضة أو لها وجهان أو أن بعضها نسخت .لأن الله أكمل الدين وأتم نعمته ورضى لنا الإسلام دينا متوجاً بالقرآن الكريم الذي يحوى بين طياته وفي كل حرف منه ما إن اتبعناه لا نضل أبداً ، والراسخون في العلم هم من يستطيعون بيان حقيقة المعنى لتفسير ما ينفي النسخ أو التناقض والاختلاف أو أن له باطنا أو ظاهرا وأن التأويل الإلهي لما يأت ولم يستطع أحد الإحاطة بعلم القرآن ( يونس -38 ) .
ومن مراجعة بعض أحاديث الرسول الصحيحة نجد أنها تبين وتفسر وتوضح آيات القرآن الكريم سواء كانت تتعلق بغيب ماضي أو حدت وغيب سيحدث في المستقبل ، وقد شاهد الرسول أثناء معجزة الإسراء والمعراج مآل أصحاب النار أو أصحاب الجنة بعين اليقين … الخ .
لقد ذكرت كلمة التأويل في القرآن الكريم سبعة عشر مرة لتدل حسب سياق ورودها في 5 سور على أن التاويل يكون للأحاديث وان الله يعلم رسله التأويل .
كما يكون لغيب ذكره القرآن حدث في الماضي ابتداء من خلق السماوات والأرض إلى وقائع تتصل بالرسل والانبياء ، ويكون كذلك لغيب سيحدث مستقبلاً أشار إليه القرآن الكريم كتغير الأرض يوم القيامة والبعث والحساب واستقرار الكفار في النار وتنعيم المؤمن بالجنة وهذان الحدثان الغيب الماضي والغيب المستقبلي هما من الأمور المتشابهة التي اشارت إليها الأية 7 من سورة آل عمران .
ذلك أن ارتباط وتداخل تريليونات الاعتبارات والمعادلات والمبادئ والسنة الإلهية في مسيرة الأرض والسموات وبني البشر ووصول الأمر إلى القيامة والجنة والنار لا يمكن إلا الله أن يمسكه ويقدره ويحيط به ويكتبه في القرآن الكريم ويكون حقاً بعلم اليقين ثم عين اليقين أو حق يقين .
ونستطيع ان نستخلص من مراجعة سياق ومناسبات ورود كلمة التاويل السبعة
عشر مفهوم هذه الكلمة ومعناها وتعريفها .
ولكن قبل كل شيء يجب التنبيه إلى أن عبارة ” ولا يعلم تأويله إلا الله ” الآية ٧ من سورة آل عمران ، لا تدخل ضمن المعنى والمفهوم لكلمة التأويل التي تنطبق على من علمه الله التأويل ، ذلك أن الفقهاء فرقوا بين مدى وسعة وكيفية أسماء الله الحسنى وصفاتها الالهية ، وبين الصفات التي تعود للبشر، ولو أن لفظ الصفة واحد أومتشابه ولكن الكيفية والمدى والسعة مختلفة … ، ” ليس كمثلة شيء وهو السميع البصير ” …. فالذات الإلهية وصفاتها ليس كذات الأشياء وصفاتها فلا شبيه ولا موصوف يشبهه ويتصف بصفات الله ، فإذا قلنا مثلاً أن الله عادل، إلا أن عدله لا يقاس ولا يقارن و لا يماثل ولا يتخيل أنه كعدل البشر .
لذلك فان تعريف كلمة التأويل التي يمكن استخلاصها وتعريفها كما مر. ، لا تصف ولا تعرف صفة إلهية أو اسم من أسماء الله الحسنى وهي ” المؤول ” أو المتأول ” إذ لا يستطيع البشر تعريف و وصف القرآن كيفاً وما هية وحقيقة ومكاناً و زماناً أو تأويلاً للآيات المحكمة والمتشابهة ، و إن كنا نستطيع فهم كنه كلمة التأويل على الشكل الذي عرفناه فيما خص البشر .ذلك أن إحاطة الله بكل شئ لأنه خالق كل شئ وأنه يخلق ما يشاء. وما أوتينا من العلم إلا قليلا، تمنعنا من العلم بالتاويل المطلق الحق. ماهية وزمانا و كيفا و إحاطة .إلا الانبياء وأولي العزم من الرسل الذين اصطفاهم الله تعالى الذين علمهم التأويل الخاص بالـ لآيات و بالرؤى و بالأحاديث كعلم يقين ،فالنبي محمد ،ص، يبلغ القران الكريم وأوامره ونواهيه وهو عالم حقا ويقينا أنه أنزل من لد ن عزيز حكيم كما أنه شاهد بعين اليقين بعضا من الغيب المستقبلي بواسطة الاسراء والمعراج.
2. التفسير التاريخي للآية ٦٢ من سورة النور
يتناول تفسير الآية، في المقام الأول، الواقعة التي نزلت بشأنها في حياة الرسول محمد ﷺ. فقد كان المؤمنون مجتمعين معه على شأن عام يمس جماعتهم، فنهاهم الله تعالى عن الإنصراف دون استئذانه. ويشمل ذلك تنفيذ مقرراته وتعليماته .
وبذلك قررت الآية أدبًا إيمانيًّا وتنظيميًّا، يقوم على عدم تفرق المؤمنين عند القضايا العامة والمصيرية، وعلى احترام القيادة الجامعة التي تدير شؤونهم وتحفظ وحدتهم.
3. امتداد المبدأ بعد انتقال الرسول ﷺ
بعد انتقال الرسول محمد ﷺ إلى الرفيق الأعلى، يبقى القرآن الكريم صالحًا لكل زمان ومكان، ولا تنتهي هداياته بانتهاء الوقائع التي نزلت فيها آياته. ومن ثم يمكن البحث في إسقاط المبدأ العام المستفاد من الآية على الخلفاء والقادة الشرعيين الذين يسيرون على منهاج النبوة، ويعملون بأحكام القرآن وسنة الرسول ﷺ.
ولا يعني هذا الإسقاط مساواة هؤلاء بمقام الرسول محمد ﷺ، وإنما يعني استمرار المبدأ التنظيمي الذي تقرره الآية، وهو اجتماع المؤمنين حول مرجعية شرعية جامعة عند القضايا المصيرية، وعدم تفريق صفهم أو الانصراف عن أمرهم العام من غير مقتضٍ معتبر.
و في نطاق الإجتهاد التأويلي، يمكن بحث انطباق هذا المبدأ مستقبلًا على المهدي المنتظر عند ظهوره، بوصفه قائدًا مصلحًا يجمع المؤمنين على الحق والعدل، وفق ما ورد بشأنه في الأحاديث النبوية.
ثالثًا: ختم النبوة والعلاقة بين النبي والرسول
قال الله تعالى:
﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَٰكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾
[الأحزاب: 40].
وقد قررت دار الإفتاء المصرية، في فتوى لها بشأن ختم النبوة والرسالة، أن رسالة النبي محمد ﷺ هي آخر الرسالات، وأنه خاتم الأنبياء والمرسلين. واستندت في ذلك إلى الآية السابقة، وإلى قول النبي ﷺ:
«كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الْأَنْبِيَاءُ، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي».
كما استندت الفتوى إلى إجماع علماء المسلمين على أن النبوة والرسالة قد اختُتمتا برسول الله محمد ﷺ، ونقلت عن الإمام ابن كثير، في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، قوله:
«وقد أخبر الله تبارك وتعالى في كتابه، ورسوله صلى الله عليه وسلم في السنة المتواترة عنه، أنه لا نبي بعده، ليعلموا أن كل من ادعى هذا المقام بعده فهو كذاب أفاك دجال ضال مضل».
ونقلت عن الآلوسي قوله:
«وكونه صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين مما نطق به الكتاب، وصدعت به السنة، وأجمعت عليه الأمة».
وختمت الفتوى بالتأكيد أن تأويل القرآن الكريم والسنة الصحيحة يجب ألا يخضع للهوى أو يخرج عن أصول الدين المقررة.
انتهى ملخص الاقتباس من الفتوى.
موضع البحث والاجتهاد والاستنباط :
١- يقوم الرأي العقدي الغالب على قاعدة اصطلاحية “مفادها أن كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولًا؛ ” ( وهي عبارة لا تجد لها مرجعاً فقهياً أو تشريعيا )فإذا خُتمت النبوة بمحمد ﷺ امتنع ( حسب هذه القاعدة الإصطلاحية تلك ) ، من باب أولى، مجيء رسول بعده.
غير أن هذه الدراسة تطرح سؤالًا لغويًّا وتأويليًّا يستحق ، مزيدًا من البحث، وهو أن القرآن الكريم نص صراحةً على أن محمدًا ﷺ هو «خاتم النبيين»، ولم يرد فيه التعبير نفسه بصيغة «خاتم الرسل». فإذا كان ليس كل نبي رسولا ، فمعنى ذلك ان خاتم النبيين ليس بالضرورة خاتم المرسلين . لأن محمداً يجمع صفتي النبوة وأنه رسول الله .
ومن ثم يصح التساؤل ؛
إذا كان القرآن الكريم قد استعمل لفظَي «النبي» و«الرسول»، فهل يكون المفهومان متطابقين في جميع مواضعهما وأحكامهما، أم أن بينهما تمايزًا وظيفيًّا أو دلاليًّا ينبغي استقراؤه قبل الجزم باتحادهما؟
إن محمدًا ﷺ جمع صفتَي النبوة والرسالة، فقال الله تعالى عنه:
﴿وَلَٰكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾.
وقد اختار النص في موضع الختم لفظ «النبيين»، ولم يقل: «خاتم النبيين والمرسلين». و بالتالي إن هذه الصياغة تفتح باب التساؤل الدلالي حول طبيعة العلاقة بين الوصفين، وإن كان جمهور المسلمين قد حسم المسألة عقديًّا بالقول بختم النبوة والرسالة معًا ، ولكن دون دعم تشريعي أو فقهي .
2. المهدي المنتظر في اجتهاد تأويلي:
انطلاقًا من التمييز الذي نقترحه بين النبوة والرسالة، فإن الإجتهاد التأويلي الخاص ينحو إلى إمكان وصف المهدي المنتظر بأنه مبعوث من الله لإصلاح البشرية، من غير أن يكون نبيًّا أو صاحب وحي تشريعي أو شريعة جديدة.
وبناءً على هذا الاجتهاد، فإن الآية الثانية والستين من سورة النور يمكن أن تقدم إطارًا قرآنيًّا لمبدأ اجتماع المؤمنين مستقبلًا حول قيادة شرعية مصلحة، وعدم التفرق عنها عند الأمر الجامع.
وينبغي التنبيه إلى أن هذا الرأي يمثل اجتهاداً و استنباطاً تأويلياً جديداً ، وليس قولًا متفقًا عليه بين علماء المسلمين؛ إذ يذهب جمهورهم إلى أن ختم النبوة يستلزم ختم الرسالة كذلك، وأن المهدي إمام مصلح من أمة محمد ﷺ وليس نبيًّا ولا رسولًا.
رابعًا: الأمر الجامع والتأسي بالرسول ﷺ
1. الرسول ﷺ الأسوة الحسنة
قال الله تعالى:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾
[الأحزاب: 21].
تقرر هذه الآية أن الرسول محمدًا ﷺ هو الأسوة الحسنة للمؤمنين؛ فالاقتداء به سبيل موصل إلى مرضاة الله، وطريق مستقيم لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ويذكر الله كثيرًا.
وقد استدل الأصوليون بهذه الآية على حجية أفعال الرسول ﷺ، وأن الأصل اقتداء أمته به في الأحكام والسلوك، إلا ما دل دليل شرعي على اختصاصه به.
والأسوة نوعان: أسوة حسنة وأسوة سيئة. فالأسوة الحسنة هي الاقتداء برسول الله ﷺ؛ لأن من يتأسَّ به يسلك الطريق الموصل إلى كرامة الله، وهو الصراط المستقيم. أما الاقتداء بمن يخالف هدي الرسول، فهو من الأسوة السيئة التي عبَّر عنها القرآن الكريم في قول المشركين:
﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾
[الزخرف: 22].
ولا يوفَّق إلى الأسوة الحسنة إلا من كان يرجو الله واليوم الآخر؛ لأن الإيمان بالله، ورجاء ثوابه، والخوف من عقابه، كلها دوافع تحث المؤمن على التأسي برسول الله ﷺ.
2. التأسي بالرسول وامتداد المبدأ القرآني
تفيد الآية الثانية والستون من سورة النور أن التأسي بالرسول محمد ﷺ يشمل الالتزام بالآيات القرآنية المرتبطة بقيادته للأمة عند الأمر الجامع، واستحضار مبادئها في كل زمان ومكان.
ويمتد هذا التأسي، من حيث الاقتداء بالمنهج، إلى الخلفاء الراشدين والقادة الذين يسيرون على منهاج النبوة، من غير إضفاء خصائص النبوة أو الرسالة عليهم.
فالمقصود هو بقاء الجماعة المؤمنة متماسكةً عند الشدائد والقضايا العامة، والتزامها بالقيادة الشرعية الجامعة، وعدم تقديم المصالح الفردية على المصلحة العامة أو الانفضاض عن الصف في اللحظات المصيرية.
خامسًا: الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر
وردت في المهدي المنتظر أحاديث عديدة، منها:
عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«المَهْدِيُّ مِنْ عِتْرَتِي، مِنْ وَلَدِ فَاطِمَةَ».
رواه أبو داود وابن ماجه.
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال:
«المَهْدِيُّ مِنِّي، أَجْلَى الجَبْهَةِ، أَقْنَى الأَنْفِ، يَمْلَأُ الأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَجَوْرًا، يَمْلِكُ سَبْعَ سِنِينَ».
رواه أبو داود والحاكم.
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:
«المَهْدِيُّ مِنَّا أَهْلَ البَيْتِ، يُصْلِحُهُ اللهُ فِي لَيْلَةٍ».
رواه أحمد وابن ماجه.
تدل هذه الأحاديث، في حدود ألفاظها، على أن المهدي من أهل بيت النبي ﷺ، وأن الله يصلحه، وأنه يقيم العدل بعد انتشار الظلم والجور.
ونرى أن هذه الوظيفة الإصلاحية الجامعة تجعل من الممكن تأويل مبدأ «الأمر الجامع» الوارد في سورة النور على اجتماع المؤمنين حول المهدي عند ظهوره، والتزامهم بقيادته في القضايا المصيرية؛ بوصفه قائدًا يسير بالراية الإسلامية المحمدية على الصراط المستقيم.
أما إطلاق وصف «الرسول» عليه، فهو استنتاج تأويلي قد يصدق أو يطوى ، رغم أنه مبني على التمييز بين النبوة وبين بعض صور الاصطفاء أو الإرسال الإصلاحي، إلا أنه لا يقوم على حديث صريح يصف المهدي بأنه رسول.
سادسًا: الخلاصة
تؤسس الآية الثانية والستون من سورة النور لمبدأ إيماني وتنظيمي بالغ الأهمية، وهو عدم انصراف المؤمنين عن الرسول ﷺ عند الأمر الجامع قبل استئذانه. ويشمل ذلك الالتزام بأوامره و نواهيه وقراراته وتكشف الآية عن ارتباط صدق الإيمان بوحدة الجماعة، واحترام القيادة، وتقديم الشأن العام على المصالح الفردية.
وتتجلى دلالة الآية في مستويين:
المستوى الأول: التفسير التاريخي المباشر
ويتعلق بوجود المؤمنين مع الرسول محمد ﷺ في حياته، ووجوب استئذانه قبل الانصراف عن الأمر الجامع.
المستوى الثاني: التأويل المقاصدي الممتد
ويتمثل في استمرار المبدأ الكلي الذي تقرره الآية، وهو وحدة المؤمنين عند القضايا المصيرية، وعدم تفرقهم عن المرجعية الشرعية الجامعة.
ولا تعني استمرارية هذا المبدأ مساواة أي قائد بالرسول محمد ﷺ، وإنما تعني التأسي بمنهجه، والاقتداء بسنته، والتمسك بوحدة الجماعة ومرجعيتها الشرعية.
أما مسألة المهدي المنتظر، فيرى إمكان بحثها في إطار هذا الامتداد التأويلي؛ لما ورد في الأحاديث من صفته الإصلاحية وقيامه بالعدل. ويظل وصفه بأنه «رسول» اجتهادًا خاصًّا لا يقدم ولا يؤخر في مغزى الآية ، و قد يحتاج إلى مناقشة لغوية وقرآنية وعقدية مستقلة، في ضوء قول الله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، وما استقر عليه جمهور علماء المسلمين من ختم النبوة والرسالة بمحمد ﷺ.
وبذلك لا تبقى آية «الأمر الجامع» حبيسة واقعتها التاريخية، بل تتحول، مع الحفاظ على معناها الأصلي، إلى قاعدة مقاصدية تدعو الأمة إلى الاجتماع، ووحدة القرار، وعدم التفرق عند المحن والفتن والتحديات المصيرية.
والله من وراء القصد.
