بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد
كم قتيلًا يجب أن يسقط يوميًا في لبنان حتى تتحرك الدولة وأجهزتها؟
السؤال ليس مبالغًا فيه، ولا هو من باب المزايدة. فالأرقام وحدها كافية لتطرح هذا السؤال بقوة.
خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026، سُجّل 962 حادث سير، أدت إلى 142 قتيلًا و1052 جريحًا. أي أن طرقات لبنان حصدت في تلك الفترة ما يقارب قتيلًا كل يوم، فضلًا عن نحو ثلاثة جرحى مقابل كل قتيل.
والأخطر أن هذا الموت لا يأتي دائمًا في أرقام كبيرة دفعة واحدة؛ أحيانًا يأتي قتيلًا هنا واثنين هناك وأربعة في 24 ساعة، وكأن موت اللبناني على الطريق أصبح خبرًا عابرًا في نشرات الأخبار. ففي الأول من آب، مثلًا، سُجّل قتيل و7 جرحى في 7 حوادث خلال 24 ساعة، وفي حوادث أخرى سجلت غرفة التحكم المروري أرقامًا أعلى بكثير. ففي اقل من ٢٤ ساعة سجل ١١ قتيل .
فكم قتيلًا نحتاج بعد؟
كم روحًا يجب أن تُزهق حتى نقرر أن قانون السير ليس حبرًا على ورق؟
كم قتيلًا يلزم لنرى شرطيًا على الطريق، يطبق القانون قبل وقوع الكارثة، لا بعد أن تتحول الطريق إلى مسرح للحادث؟
وكم عائلة يجب أن ترتدي الأسود حتى نفهم أن ما يجري ليس مجرد «حوادث سير»، بل نزيف يومي يمكن الحد منه بالقانون والرقابة والردع؟
القانون موجود.
لكن السؤال الحقيقي: من يطبقه؟
هل يعقل أن يُترك شخص ليقطع أوتوسترادًا سريعًا من دون جسر أو ممر آمن، ثم عندما تقع المأساة يصبح السائق وحده في قفص الاتهام؟
نعم، السائق مسؤول عن قيادته وسرعته وانتباهه، ولا يجوز التهرب من مسؤولية أي مخالف للقانون. لكن في المقابل، أين مسؤولية الدولة عن حماية المشاة والسائقين معًا؟
كم شرطيًا نحتاج لتطبيق القانون؟
كم جسرًا أو نفقًا وممرًا آمنًا نحتاج لحماية هؤلاء الذين يخاطرون بحياتهم، وحماية سائقي السيارات منهم؟
وكم كاميرا وإشارة وإنارة وحاجزًا نحتاج قبل أن ندرك أن الوقاية من الموت أرخص من التحقيق في الموت؟
لا نريد دولة تصل بعد الحادث لتجمع الأشلاء، وتنظم السير، وتكتب المحاضر، وتحصي الضحايا.
نريد دولة تمنع الحادث قبل وقوعه.
نريد شرطيًا على الطريق، لا شرطيًا في تقرير الحادث.
نريد قانونًا يطبق على الجميع: على السائق المتهور، وعلى من يعبر الطريق حيث لا يجوز، وعلى من يقود بسرعة قاتلة، وعلى من يستخدم الهاتف أثناء القيادة، وعلى الدولة نفسها عندما تهمل طريقًا أو جسرًا أو إنارة أو إشارة تحذيرية.
فالطريق ليس ملك السائق وحده، وليس ملك المشاة وحدهم.
الطريق ملك القانون.
وحين يغيب القانون، يصبح الجميع في خطر.
ويبقى السؤال الذي يجب أن يلاحق الدولة وأجهزتها كل صباح:
كم قتيلًا إضافيًا نحتاج حتى تتحركوا؟ أم أن المطلوب أن نصل إلى مرحلة يصبح فيها قتيل كل يوم رقمًا عاديًا… وخبرًا عابرًا… وجنازة جديدة لا توقظ ضمير أحد؟
