مولد النبي ﷺ… من ذكرى تُروى إلى سيرة تُحتذى\(الحلقة الأولى)

بقلم// الشيخ مظهر الحموي

ما أحوجنا، ونحن نستقبل ذكرى مولد سيد الخلق وحبيب الحق محمد ﷺ، أن نخرج بالمولد من ضيق المناسبة إلى سعة الرسالة ، ومن ضجيج الإحتفال إلى هدوء المراجعة، ومن ترداد المحبة على الشفاه إلى تجسيدها في السلوك والحياة ، فليس الحب كلمةً تُقال ، ولا الذكرى موسمًا ينقضي ، وإنما الحب الصادق إتباعٌ يصدّق الدعوى ، وإقتداءٌ يبرهن على المحبة ، وطاعةٌ تجعل من السيرة النبوية نبضًا في الحياة ، لا حكايةً في الذاكرة .

إن مولد المصطفى ﷺ ليس تاريخًا عابرًا في سجل الأيام ، ولا مناسبةً تُضاء لها المنابر ثم تخبو أنوارها بإنطفاء لياليها ، وإنما هو ميلاد المعنى في الإنسان ، وإنبعاث النور في الضمير ، وفرصة نستعيد فيها ذلك النموذج الذي أقام الله به ميزان الحق، وأحيا به موات القلوب ، وأخرج به الناس من ظلمات الجاهلية إلى نور الإيمان .
ومن هنا ، فإن أصدق سؤال في ذكرى مولده ليس : كم قلنا في مدحه؟ بل : كم أخذنا من هديه ؟ وليس : كم أنشدنا في محبته؟ بل : كم ظهرت محبته في أخلاقنا؟
أين نحن من صدقه ﷺ إذا تعارض الصدق مع المصلحة؟ وأين نحن من أمانته إذا أصبحت الأمانة ثقيلةً على أصحابها؟ وأين نحن من رحمته إذا أساء إلينا من نختلف معه؟ وأين نحن من عفوه إذا إمتلكنا القدرة على الإنتقام؟ وأين نحن من تواضعه إذا أقبلت علينا الدنيا؟
إن من أشد المفارقات إيلامًا أن نحتفل بمن كان الصدق سجيته ، ثم نتهاون في الصدق ، ونذكر الأمين الذي إئتمنته قريش ، ثم نستخف بالأمانة ، ونستحضر رحمة النبي ﷺ ، ثم تضيق صدورنا بإخواننا ، ونرفع راية المحبة له ، ثم نترك لألسنتنا أن تجرح وتشي وتتهم وتنهش أعراض الناس .
وما قيمة أن نملأ الدنيا حديثًا عن عظمة محمد ﷺ، إذا لم يجد الناس في أخلاقنا شيئًا من عظمته؟ إن الإسلام لا يحتاج إلى أصوات أعلى بقدر ما يحتاج إلى نفوس أصفى ، وقلوب أصدق، وأيدٍ أنزه ، ومواقف أشرف .
فالدين الذي جاء به المصطفى ﷺ لا يُقاس بكثرة ما نقول عنه، وإنما بما يصنعه فينا من خشية وإستقامة ، وما يتركه في المجتمع من عدل ورحمة وأمانة.
وفي ذكرى مولده ، لا يجوز أن نعبر عن أحوالنا مرور الكرام ، ولا أن نفصل السيرة عن واقعنا ، فما أشد حاجتنا اليوم ، في وطننا لبنان ، الذي أضناه الإنقسام وأنهكته الأزمات ، إلى أخلاق ذلك النبي الذي كانت الأمانة عنوانه ، والرحمة شريعته ، والعدل ميزانه .
لقد استُنزفت مقدرات البلاد ، وتراجعت الثقة بالمؤسسات ، وضاق المواطن بحقوق هي في أصلها من أبسط البديهيات : كرامة مصونة، وعدالة حاضرة ، وأمن مستقر، وعيش كريم .
وليس أوجع من وطن يكثر فيه الحديث عن الإصلاح ، ويقل فيه الإصلاح نفسه.
إن الوطن لا يُنقذ بالخطب مهما علت ، ولا بالشعارات مهما لمع بريقها؛ وإنما ينقذه رجال إذا اؤتمنوا لم يخونوا ، وإذا حكموا عدلوا ، وإذا قدروا عفوا ، وإذا اختلفوا أنصفوا، وإذا تعارضت مصالحهم مع مصلحة الناس قدّموا الناس على أنفسهم.
والفساد، وإن بدأ في خزائن المال ، فإن منبعه الأعمق خزائن النفوس ، فما لم تُصلح الضمائر ، ستظل القوانين تطارد الفساد من باب ، فيخرج لها من ألف باب .
فالقانون يحرس السلوك ، أما الذي يصنع النزاهة حقًا فهو قلب يعرف أن الله يرى ، وضمير يستحي أن يأكل حقًا ليس له، وإن غاب الرقيب وغاب الحساب .
وليس أخطر على الجماعة من فساد المال إلا فساد القلوب ، حين تتحول الخصومة إلى قطيعة ، والإختلاف إلى عداوة ، والنصيحة إلى تشهير ، والنقد إلى إغتيال معنوي .
لقد جمع رسول الله ﷺ قلوبًا كانت متنافرة ، وألّف بين نفوس كانت متناحرة، وصنع من التعدد قوة، ومن الاختلاف ثراء ، ومن الإخوة سياجًا يحمي الجماعة . فكيف يليق بمن ينتسب إليه أن يجعل من الإختلاف معولًا يهدم به ما بناه، أو يجعل من الرأي الواحد صنمًا لا يُناقش؟
إننا بحاجة إلى كلمة سواء ، كلمة تجمع ولا تفرّق ، وتبني ولا تهدم ، وتستر ولا تفضح ، وتعذر قبل أن تدين ، وتلتمس للناس مخارج العذر قبل أن تحاصرهم في زوايا الخطأ .
ولعل أجمل ما نبدأ به في ذكرى مولده ﷺ أن نبدأ بأنفسنا ، أن نفتش في مرآة القلب قبل أن نفتش في عيوب الآخرين ، وأن نحاسب أنفسنا قبل أن ننصّب لها محاكم الناس.
فمولد النبي ﷺ ليس مناسبةً نسأل فيها : ماذا قيل عنه؟ وإنما مناسبة نسأل فيها: ماذا بقي منه فينا؟
وللحديث في الحلقة الثانية بقية ، ففيها نقف عند المعنى الأعمق للإقتداء ، وحاجتنا إلى الرحمة في إختلافنا ، وإلى الأخلاق في وطننا ، وإلى أن يكون مولد المصطفى ﷺ ميلادًا جديدًا فينا ، لا مجرد ذكرى له .

أخوكم الشيخ مظهر الحموي
عضو اللجنة القضائية في المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى
رئيس لجنة الدعوة والمساجد وحماية التراث

Exit mobile version