بقلم// د. عدنان منصور*
في وقت شديد الحساسية تشهده منطقة غربي آسيا، وبالذات إيران ودول الخليج العربية، تمّ يوم 7 آب/ أغسطس 2026 توقيع “اتفاق مكة للدفاع المشترك”، ضمّ تركيا والسعودية وباكستان، والذي ينصّ على أنّ أيّ هجوم مسلّح على دولة من دوله الثلاث يعدّ هجوماً عليها. وزير الخارجية التركي حقان فيدان وصف الاتفاق بأنه مماثل للمادة (5) من معاهدة حلف شمال الأطلسي (الناتو) لعام 1949، التي جاء فيها أنّ أيّ هجوم أو عدوان مسلح ضدّ دولة عضو واحدة بمثابة هجوم ضدّ جميع الأعضاء. إلا أنّ تفعيل هذه المادة يتطلب قراراً جماعياً وموافقة تامة من جميع دول الحلف.
هذه المادة طُبّقت مرة واحدة منذ إنشاء حلف الناتو، وذلك بعد هجمات 11 أيلول/ سبتمبر 2001 تضامناً مع الولايات المتحدة.
نشأ حلف شمال الأطلسي نتيجة مخاوف كبيرة وقلق شديد من المعسكر الشيوعي الذي قاده الاتحاد السوفياتي، ليكون سداً منيعاً في وجه المدّ الشيوعي في أوروبا، وحامياً للأنظمة الديمقراطية في أوروبا. ورداً على الناتو، قام الاتحاد السوفياتي عام 1955 بإنشاء “حلف وارسو” ليكون في مواجهة المعسكر الغربي بقيادة واشنطن، وضامناً لأمن الدول الشيوعية في أوروبا التي تدور في فلك الاتحاد السوفياتي.
في الشرق الأوسط، كانت الولايات المتحدة وراء تأسيس “حلف بغداد” عام 1955، الذي ضمّ بريطانيا وتركيا والعراق وإيران وباكستان. حلفٌ دار في الفلك الأميركي ليكون حزاماً منيعاً في وجه الاتحاد السوفياتي جنوباً، ومنعه من التوغل وبسط نفوذه في الشرق الأوسط. سقط هذا الحلف عام 1959 بخروج العراق منه بعد الإطاحة بالنظام الملكي العراقي. لم تكن واشنطن عضواً رسمياً في الحلف، لكنها دعمته وشاركت في لجانه العسكرية والاقتصادية.
عام 1959 تحوّل اسم “حلف بغداد” إلى اسم “منظمة المعاهدة المركزية ” (CENTO)، ونُقِل المقرّ الرئيس من بغداد إلى أنقرة. وفي عام 1979، أُعلِن عن حلّ “السنتو” رسمياً بعد انسحاب إيران وباكستان منه، وسقوط النظام الملكي وإعلان الجمهورية في إيران.
بعد 47 عاماً من نهاية حلف “السنتو”، أطلّ على المنطقة المشرقية حلفٌ جديد يضمّ تركيا والسعودية وباكستان. لكن السؤال الذي يُطرح:
لماذا نشأ هذا الحلف، وما هي أسبابه وخلفيّاته ودوافعه؟! هل حقاً إنّ دوله مهدّدة وأمنها القومي في خطر، ومن قبل مَن؟! وهل هي مستهدفة من دولة أخرى كي تتوحّد عسكرياً لحماية سيادتها وأرضها وأمنها القومي؟! سبق هذا الحلفَ توقيعُ باكستان والسعودية في شهر أيلول/ سبتمبر 2025 على اتفاق دفاع متبادل لتنضمّ إليه اليوم تركيا.
حلفٌ ثلاثي تبلغ مساحة دوله مجتمعة 3 ملايين و764 ألف كلم²، وعدد سكانه يزيد على 390 مليون نسمة.
أما الناتج القومي الإسمي فيصل إلى 2 ترليون و482 مليار دولار، وعند احتساب قيمة الناتج وفقاً لمقياس القوة الشرائية (PPP) تصبح أكثر من 5 ترليونات دولار. أما الميزانية العسكرية لدول الحلف الثلاثي لعام 2026، فهي 88 مليار دولار للسعوديّة، و51 مليار دولار لتركيا، و10.8 مليارات دولار لباكستان، فيكون مجموع الموازنة العسكرية السنوية للدول الثلاث 150 مليار دولار.
إذا كانت الأحلاف في السابق تتخوّف من بعضها البعض، فمن أين يأتي الخطر والتهديد على دول اتفاق مكة؟! ممّن تخاف وتقلق باكستان وهي الدولة النووية التي لديها جيش قوي متمرّس، وليست على عداء مع أيّ دولة من دول المنطقة، باستثناء نزاعها مع الهند حول كشمير؟! أما تركيا فهي قوة عسكرية كبيرة، وعضو فاعل ومؤثر في حلف الناتو، وثاني أكبر قوة عسكرية فيه، وهي أصلاً محصّنة بالحلف وليس لديها مخاوف من أيّ دولة في المنطقة تهددها. أما السعودية فإنّها تشكّل مركز ثقل إسلامي وجيوسياسي استراتيجي، وقوة اقتصادية ومالية وطاقوية كبيرة، ولديها قوة عسكرية لا يُستهان بها، وهي إحدى الدول العشرين لأكبر اقتصادات دول العالم.
بعد الإعلان عن “اتفاق مكة”، ذهبت الأنظار إلى إيران، إذ اعتبر العديد من المراقبين والمحلّلين والمنظّرين في المنطقة والعالم أنّ الحلف هو لمواجهة أيّ تهديد أو هجوم يأتي من إيران، فيما اعتبر وزير الخارجية الباكستاني الحلف أنه “دفاعيّ بحت”، وغايته إيجاد قدرة ردع ضد أي دولة تفكر يوماً في مهاجمة دولة من دوله.
لا شك في أنّ الحلف يوفر ضمانات أمنية وعسكرية للسعودية، ويترك لديها ارتياحاً بالغاً، على اعتبار أنّ العمليات العسكرية التي طالت القواعد الأميركية في دول الخليج لم تستطع الولايات المتحدة منعها أو توفير الأمن لها. وجود السعودية في الحلف يشكّل لها مظلة وضمانة. لكن باكستان وتركيا ليستا بحاجة إلى مظلة أمنية، طالما أنّ مظلة تركيا الأمنية هي حلف شمال الأطلسي، ومظلة باكستان الأمنية هي قوتها النووية الرادعة التي تضمن لها سيادتها وأمنها. ما تريده تركيا فعلاً من هذا الحلف هو أن تكون قوة مركزية في النظام الأمني الجديد للشرق الأوسط، وليس فقط الاحتماء بالمظلة الأطلسيّة. تركيا تتطلع إلى أهداف استراتيجية سياسية وأمنية واقتصادية مع دول المشرق كلها، لا سيّما بعد الإطار الرباعي المسمّى (R4) الذي يضمّ تركيا ومصر والسعودية وباكستان، حيث عقد وزراء خارجية هذه الدول اجتماعهم الرابع في القاهرة في شهر حزيران/ يونيو 2026.
تركيا تتطلّع إلى انضمام مصر إلى الحلف كي يأخذ بعداً سياسياً وأمنياً واقتصادياً كبيراً، مستقلاً نسبياً عن تأثير الولايات المتحدة ونفوذها الكبير.
حقيقة الأمر أنّ التهديد الفعلي لأمن المنطقة لا يأتي من إيران وإنّما من “إسرائيل”، نظراً لتطلعاتها التوسعية في تحقيق أهدافها التوراتية لتطال أراضي ثماني دول مشرقية؛ من بينها تركيا ومصر والسعودية. أما إيران فترتبط بباكستان بعلاقات سياسية واقتصادية جيدة، وهي تتقاسم معها تهديد الحركات البلوشية الانفصالية لوحدة الأراضي الإيرانية والباكستانية. إذ يوجد في إيران أقلّ من 3 ملايين من البلوش، وفي باكستان حوالي 12 مليوناً، وهؤلاء متواجدون بين البلدين غربي باكستان وشرقي إيران، مما يحتّم على البلدين تعاوناً أمنياً قوياً مشتركاً. كما أنّ بين تركيا وإيران علاقات اقتصادية متينة تتعزز سنة بعد سنة، وهناك تهديد أمني لكليهما من قبل الحركات الكردية الانفصالية في البلدين، مما يجعل أيّ نزاع عسكريّ بين إيران وتركيا، أو بين إيران وباكستان ـ وهذا لن يحصل ـ سيحرك الحركات الانفصالية في الداخل والخارج على الفور في الدول الثلاث؛ لأنها سترى في الحرب فرصة ذهبية لها، وهذا ما شاهدناه أثناء العدوان الأميركي على إيران، وكيف تحرّكت الخلايا الانفصالية الكردية التي جعلت من شمال العراق منصة لعملياتها العسكرية ضدّ إيران مستفيدة من أجواء العدوان ودعم واشنطن و”إسرائيل” لها.
في ما يتعلق بإيران والسعودية، يتحتّم على البلدين إعادة تصويب علاقاتهما نظراً لروابط الجغرافيا والتاريخ والدين والثقافة والأمن المشترك الذي لا بديل عنه، وإزالة الرواسب السلبية العالقة بين البلدين، رغم الاختلاف في وجهات النظر حول قضايا حساسة مختلفة يمكن التفاهم حولها. لكن الخطر الفعلي على إيران لا يأتي من الرياض، والخطر الحقيقي على السعودية لا يأتي من طهران. لذلك، دول المنطقة بحاجة إلى مظلة إقليمية مشتركة تنضوي تحتها كي تصون سيادتها واستقلالها وأمنها القومي، وتدافع عنه ضدّ تدخل وهيمنة الغرب عليها. إنّ أمن منطقة غربي آسيا تصونه دولها وحدها، ولا يصونه من سيطر عليها واستغلّ ثرواتها وتحكّم برقاب شعوبها ولا يزال. ما المانع من إيجاد معاهدة أمنية تضمّ دول المنطقة ـ بالطبع دون “إسرائيل” ـ تحفظ سيادة دولها وأمنها وحقوق شعوبها؟ لا ينبغي للمنطقة أن تعتمد في أمنها على قوة خارجيّة وهي الولايات المتحدة، وإنما الاعتماد على قدراتها الاقتصادية والعسكرية والمالية والبشرية وثرواتها الضخمة.
اتفاق مكة وإنْ كان في بدايته، فآلياته العسكرية والالتزام بالدفاع عن دوله لم يتبلورا بعد، لجهة حجم الهجوم أو مدى العملية العسكرية التي قد تتعرّض لها. إذ لا يمكن عند حصول إشكال عسكري بين دولة من دوله ودولة أخرى، دخول الحلف في مواجهة عسكرية واسعة مباشرة. لذلك ستكون التفاصيل التنفيذية للاتفاق موضع مناقشة من قبل اللجان المشتركة لدول الحلف لاحقاً.
اتفاق مكة سيكون له تأثيره المباشر وغير المباشر على لبنان وسورية والعراق ودول الخليج واليمن ومنطقة البحر الأحمر، مما سيعيد توزيع موازين القوى في الشرق الأوسط.
لكن كيف تنظر واشنطن وتل أبيب للحلف، وما هو موقفهما منه؟ لم يصدر عن واشنطن موقف رافض أو عدائي تجاه الاتفاق، نظراً لعلاقة أميركا القوية بدول الحلف الثلاث سياسياً وأمنياً وعسكرياً واقتصادياً، إلا أنّ حذر واشنطن يكمن في تنوّع خيارات السعودية لمظلتها الأمنية، وهذه إشارة دالّة من الرياض لواشنطن وهي أنّ أمن السعودية الاستراتيجي لن يعود بعد اليوم يقتصر على واشنطن وحدها. إنّ وجود مظلة أمنية تركية باكستانية للسعودية سيزيد من مناعتها واستقلاليتها السياسية، لتقول لأميركا إنه أصبح لديها خيارات أخرى بعد الاتفاق.
أما “إسرائيل” فلا بدّ أن تشعر بقلق وريبة شديدة من الحلف؛ فـباكستان لا تقيم علاقات دبلوماسية مع تل أبيب، كما أنّ تركيا ليست على ما يرام كما في السابق مع “إسرائيل”، خاصة بعد الذي جرى في غزة، والانتقادات والإدانات الشديدة التي وجهها أردوغان لنتنياهو.
واشنطن وتل أبيب اللتان كانتا تعوّلان منذ سنوات على التطبيع السعودي ـ “الإسرائيلي”، جاء الاتفاق ليجعل من التطبيع أكثر تعقيداً.
“إسرائيل” ترى في قدرات الدول الثلاث من حيث الموقع والنفوذ الإسلامي والعربي، وتعداد الجيوش والصناعات الدفاعية المتقدمة، وتطوير التعاون العسكري بينها، ووجود دولة نووية وأسلحة جوية وصاروخية حديثة، سيجعل ميزان القوة في الشرق الأوسط يتغيّر، وقد يتوسّع ليشمل دولاً أخرى ذات أهمية كبيرة كمصر، وهذا لا يصبّ في صالح “إسرائيل”!.
يبقى التحدي الأكبر للحلف هو في مدى نجاحه وتنفيذه على الأرض نصاً وروحاً، والحكم في هذا الشأن متروك للمستقبل…
*وزير الخارجية والمغتربين الأسبق
“البناء”
