بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد
بالأمس أدمعت عينا وزير الدفاع.
فظنّ بعض السفلة، أو أرادوا أن يوحوا للناس، أن رئيس الحكومة أبكى وزير الدفاع.
لا.
الفرق كبير بين أن يبكي المسؤول على نفسه، وأن يبكي القائد على عسكرييه.
القائد لا يبكي لأن أحدًا أحرجه في مجلس أو أساء إليه سياسيًا؛ القائد يبكي عندما يرى جنوده الذين سقطوا شهداء يُقتلون للمرة الثانية.
المرة الأولى كانت في الحرب، على أيدي مجرمين حملوا السلاح وقتلوا عسكريين.
أما المرة الثانية، فكانت داخل مجلس يفترض أنه مجلس تشريع وعدالة، حين يصبح دم هؤلاء الشهداء مادة للمساومات والحسابات الانتخابية، وحين تتحول العدالة إلى ورقة لاسترضاء هذه البيئة أو تلك، بحثًا عن أصوات في صندوق الاقتراع.
أي عدالة هذه؟ وأي دولة هذه التي يصبح فيها دم العسكري قابلًا للحساب الانتخابي؟
ويأتي من يقول: «لكن العفو شمل أيضًا من غادر إلى إسرائيل».
حسنًا، وهل أصبح ذلك إنجازًا نتباهى به؟
إن كان من غادر إلى إسرائيل قد فعل ذلك هربًا، فله ملفه وظروفه ومسؤوليته التي يجب أن تُدرس وفق القانون.
أما أن تضع في الكفة نفسها من لجأ أو فرّ، ومن قتل عسكريًا أو أعدمه عمدًا، فهذه ليست مساواة؛ هذه إساءة إلى معنى العدالة نفسه.
لا يمكن أن تكون كل الجرائم درجة واحدة، ولا أن يصبح اختلاف الأفعال تفصيلًا أمام حسابات السياسة.
أنتم لم تنتصروا للجيش بهذه الطريقة. أنتم ضربتم الجيش.
ضربتم قائده.
وضربتم وزير الدفاع، المسؤول السياسي عن المؤسسة العسكرية.
لكن الأخطر من كل ذلك أنكم ضربتم الأحياء في الجيش في صميم قلوبهم.
بعد أن أوجعتم المؤسسة ماديًا، جئتم اليوم لتوجعوها معنويًا.
وماذا تريدون من الجيش بعد ذلك؟
تريدونه أن يحميكم؟
تريدونه أن يقف عند حدود الوطن؟
تريدونه أن يذهب إلى الخطر عندما تستنجدون به؟
أنتم تكذبون عندما تقولون إنكم تريدون الجيش قويًا.
فتاريخكم، لا كلامكم، هو الشاهد.
تذكروا فقط: في اليوم الذي يقع فيه مكروه، وفي اليوم الذي تهتز فيه البلاد، وفي اللحظة التي يصبح فيها الخطر على أبوابكم، ستبدأون بالبكاء والصراخ:
أين الجيش؟
نريد الجيش!
أنقذونا يا جيش!
لكنني أتمنى، يومها، ألا يسمع الجيش.
أتمنى ألا يقول أحد إن الجيش لا يريد أن يتحرك، بل أن يتذكر الجميع لماذا لم يعد قادرًا على التحرك.
فقد يأتي يوم يقول فيه الجندي:
ليس لديّ محروقات كي أتحرك.
ليس لديّ مال كي أشتري الذخيرة والسلاح.
وليس لديّ ما يكفي كي أداوي جرحاي.
وحينها ستكون الكارثة أكبر من نقص المحروقات والذخيرة والدواء.
ستكون الكارثة أنكم قتلتم في الجندي شيئًا لا تعيده الموازنات ولا القوانين: ثقته بأن الدولة تقف خلفه.
الجندي الذي يذهب إلى الموت وهو يعرف أن دولته ستحمي حقه بعد موته، يذهب وهو مرفوع الرأس.
أما الجندي الذي يرى قاتل رفيقه يُساوى بغيره خدمةً لحساب سياسي أو انتخابي، فقد يبدأ بسؤال نفسه:
لماذا أموت؟ ولمن أموت؟ ومن سيحفظ دمي إذا عدت شهيدًا؟
وهذا السؤال أخطر على الجيش من كل نقص في السلاح.
لأن الجيش لا يقوم بالحديد وحده.
الجيش يقوم بالعقيدة، وبالثقة، وبالكرامة، وبإيمان العسكري أن الدولة التي تطلب منه أن يموت من أجلها لن تبيع دمه عندما تجلس إلى طاولة السياسة.
بالأمس لم تكن دمعة وزير الدفاع دمعة رجل هُزم.
كانت، في رأيي، دمعة قائد شعر أن شهداءه يُمسّون مرة أخرى.
ولذلك، قبل أن تسخروا من دمعة القائد، اسألوا أنفسكم:
كم دمعة يجب أن تسقط حتى تفهموا أنكم لا تلعبون بورقة انتخابية، بل تلعبون بمعنويات جيش؟
والجيش، حين تسقط معنوياته، لا يسقط وحده.
تسقط الدولة معه.
