بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد
حتى الآن، وعلى أمل أن يطول ذلك، لا أمل لنا في العبور من مزرعة إلى وطن.
ما هكذا تُبنى الأوطان.
بلغ حجم الفساد حدًا تجاوز كل الخطوط، وصارت الأيام تنقلنا من فاسد إلى أفسد، فيما يبقى الإصلاح الكذبة الكبرى التي تُعاد علينا كلما اشتد الغضب.
وللإصلاح الكاذب أربعة أعمدة:
أولًا: تشكيل اللجان، لا لكشف الحقيقة، بل لدفنها تحت عناوين رنّانة، ووقتٍ مستهلك، واجتماعاتٍ ومحاضر، إلى أن يبرد الغضب ويضيع الملف.
ثانيًا: قرارات “صارمة” لا تصيب إلا صغار الموظفين، كأن الفساد يسكن الدرج الأخير وحده، وكأن الرؤوس الكبيرة بلا أيدٍ، ولا توقيع، ولا قرار.
ثالثًا: متورّط كبير ومدان يخرج من العاصفة أنظف مما دخلها، وأحيانًا بموقع أعلى؛ لأن الخطأ عندنا لم يعد جريمة، بل أصبح نوعًا من “الخبرة” التي تؤهل صاحبها لمزيد من المسؤولية.
رابعًا: مواطن يراقب المسرحية بصمت، لا لأنه غير معني، بل لأنه حفظ النهاية.
قانون كخيوط العنكبوت؛ يمسك بالحشرات الصغيرة، أما الكبار فيمزقونه ويمضون.
ومن هنا يُقتل الوطن.
لا يُقتل الوطن فقط بالحرب، ولا بالاحتلال، ولا بانهيار الاقتصاد.
يُقتل الوطن حين يصبح الظلم نظامًا، والمحاسبة استثناءً، والصمت دفاعًا أخيرًا عن الكرامة.
لا وطن مع إصلاح بلا عدالة.
ولا دولة حين يُدار القانون بميزان القوة، بدل أن تُدار القوة بقوة القانون.
وعندما يصبح المواطن مقتنعًا بأن الحقيقة لن تصل، والمحاسبة لن تطال الكبار، وأن اللجان ستُشكّل لتنام الملفات في أدراجها، عندها لا تكون المشكلة في الفساد وحده.
المشكلة أن الوطن نفسه يكون قد بدأ يفقد معنى الوطن.
وهنا السؤال الذي لا يجوز أن نهرب منه:
هل نريد فعلًا أن نبني دولة، أم أننا نريد فقط أن نحسن إدارة المزرعة؟
