بقلم// خضر رسلان
لم يعد المشهد الإقليمي يُختصر في مواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، ولا في حدث أمني عابر أو جبهة منفصلة، بل بات يعكس مرحلة إعادة تشكيل لموازين القوى في الشرق الأوسط، حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع الضغوط السياسية والاقتصادية، فيما تستعد مختلف الأطراف لسيناريوهات تتراوح بين استمرار سياسة الردع المتبادل والانزلاق إلى مواجهة واسعة قد تتجاوز حدود المنطقة.
المعطيات المتوافرة تشير إلى أن واشنطن لا تتعامل مع خيار المواجهة العسكرية المباشرة باعتباره قراراً سهلاً. فهي تدرك أن أي حرب مع إيران لن تكون خاطفة أو محصورة بجغرافيا معينة، بل ستفتح أبواب المنطقة أمام سلسلة من التداعيات التي قد تطال القواعد الأمريكية، وخطوط الملاحة الدولية، وأسواق الطاقة، فضلاً عن انعكاساتها المباشرة على الاقتصاد العالمي. ومن هنا، تبدو الإدارة الأمريكية تجهد على مواصلة سياسة الضغط بأشكالها المختلفة، مع تجنب الوصول إلى نقطة اللاعودة.
في المقابل، تعمل إيران على تثبيت معادلة ردع واضحة، قوامها أن أي اعتداء عليها لن يبقى داخل حدودها، وأن الرد سيطال المصالح الأمريكية وكل من يشارك في أي عمل عسكري ضدها. وهذه الرسائل لا تُقرأ بوصفها تصعيداً إعلامياً فحسب، بل كجزء من استراتيجية تهدف إلى رفع كلفة الحرب إلى مستوى يجعل قرارها أكثر تعقيداً بالنسبة لخصومها.
وفي ظل هذا الواقع، لم تعد ساحات المنطقة منفصلة عن بعضها البعض. فلبنان والعراق واليمن والخليج أصبحت حلقات مترابطة ضمن معادلة إقليمية واحدة، بحيث إن أي تطور ميداني في إحدى هذه الساحات قد ينعكس سريعاً على الساحات الأخرى. كما أن أمن الممرات البحرية، وفي مقدمتها مضيق هرمز والبحر الأحمر، بات عنصراً أساسياً في معادلة الصراع، لما يحمله من تأثير مباشر على حركة التجارة العالمية وأسعار الطاقة.
وفي لبنان، لا يمكن عزل المشهد الداخلي عن التطورات الإقليمية. فالاستحقاقات السياسية والأمنية تبقى مرتبطة إلى حد كبير بمسار الأحداث خارج الحدود، فيما تستمر حالة الجهوزية والترقب بانتظار اتضاح اتجاهات الصراع، سواء نحو مزيد من التصعيد أو نحو استعادة المسار الدبلوماسي.
أما في الداخل الإسرائيلي، فتتواصل الانقسامات بشأن إدارة المواجهات والخيارات المطروحة للمرحلة المقبلة، وهو ما يضيف عنصراً جديداً إلى حالة التعقيد القائمة، ويجعل هامش اتخاذ القرارات الكبرى أكثر حساسية في ظل الضغوط الداخلية والخارجية.
ورغم ارتفاع مستوى التوتر، فإن الوقائع لا تشير حتى الآن إلى وجود قرار حاسم بالذهاب إلى حرب شاملة.
فالمؤشرات توحي بأن جميع الأطراف ما زالت تفضل إدارة الصراع ضمن حدود مدروسة، مستخدمة أدوات الردع والضغط لتحسين مواقعها السياسية والعسكرية، مع إبقاء باب التفاوض مفتوحاً متى توافرت الظروف المناسبة.
غير أن استمرار هذا الواقع يحمل في طياته مخاطر حقيقية، لأن تراكم الاحتكاكات العسكرية وارتفاع منسوب التوتر يزيدان من احتمال وقوع خطأ في الحسابات قد يبدل المشهد بأكمله. فالمنطقة تقف اليوم عند مفترق طرق، حيث يتجاور الردع مع احتمالات الانفجار، والتفاوض مع لغة القوة، والاستقرار الهش مع مخاطر الانزلاق إلى مواجهة أوسع.
وفي المحصلة، يبدو أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة مفصلية ستحدد ملامح السنوات المقبلة. وبين من يراهن على استمرار توازن الردع، ومن يخشى انهياره تحت وطأة التطورات الميدانية، تبقى الحقيقة الأبرز أن مستقبل المنطقة لن تحدده قوة السلاح وحدها، بل قدرة الأطراف على إدارة الصراع ومنع تحوله إلى حرب مفتوحة ستكون كلفتها باهظة على الجميع.
