عقد يوم السبت 25 تموز 2026 في مركز الصفدي الثقافي – طرابلس،
بالتعاون بين نقابة النفسانيين في لبنان ومؤسسة شاعر الفيحاء سابا زريق الثقافية،
في ما يأتي برنامج المؤتمر:
9،30- 10،00 الإفتتاح :
– النشيد الوطني
– نشيد الفيحاء لشاعر الفيحاء سابا زريق
– كلمة سماحة المفتي مالك الشعار
كلمة المنظمين :
– كلمة مؤسسة شاعر الفيحاء سابا زريق الثقافية، يلقيها رئيس المؤسسة د. سابا قيصر زريق
– كلمة نقابة النفسانيين في لبنان، تلقيها النقيبة أ. د. رجاء مكي
-عريف المؤتمر: د. جان توما
10،00- 11،00 الجلسة الأولى : الحروب والعنف والذاكرة الجماعية
– اضطراب ما بعد الصدمة : من الأعراض إلى العلاج : د. عباس علم الدّين – طبيب نفسي
– العنف المجتمعي والسلوك العدواني : د. نادين عقل زكريا – جامعة LAU وجامعة USEK
– الصدمات النفسيّة العابرة للأجيال : د. وعد شرتوني – مستشفى الصليب للأمراض النفسيّة والعقليّة
– إدارة الجلسة : د. مصطفى الحلوة
11،00- 11،30 استراحة
11،30- 12،30 الجلسة الثانية: الصحّة النّفسية في مدينة تعاني التهميش والفقر
– البطالة والشعور بالإحباط لدى الشباب : العميد د. أحمد علمي – عميد كليّة التربية في جامعة الجنان و جامعة طرابلس (سابقاً) – رئيس لقاء الأحد الثقافي
– الصحّة النّفسية في البيئات المهمّشة : أ.د. رشا تدمري – الجامعة اللبنانية – كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة – جامعة الجنان
– أثر الفقر المزمن على التوازن النّفسي : جويل وهبة – منسقة ومستشارة الصحة النفسيّة والدعم النفسي الاجتماعي في مركز Restart – اخصائية نفسيّة
– إدارة الجلسة : د. زياد أبي راشد
12،30- 13،30 الجلسة الثالثة: من التعافي النّفسي إلى النهوض المجتمعي
– الديناميات النفسيّة للتعافي من الصدمات : Les dynamiques psychologiques du rétablissement après un traumatisme : du vécu individuel au relèvement communautaire
أ.د. رويدا الزين – رئيسة قسم علم النفس في جامعة طرابلس
Dr. Donia Remili : Responsable du master professionnel de psychologie à la FSHST – Université de Tunis
– العلاقة النفسيّة بين الذاكرة المكانية والشعور بالانتماء : د. رولا الجمل – الجامعة اللبنانيّة – كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة.
– التمكين النفسي للشباب في مواجهة الأزمات : أ.د. شوقي عطيه – الجامعة اللبنانيّة – معهد العلوم الإجتماعيّة
– إدارة الجلسة : د. وصال الحلبي
13،30 توصيات المؤتمر: د. سابا قيصر زريق
13،45 كوكتيل
لاقى المؤتمر اقبالاً باهراً، إذ تجاوز ستمائة وخمسين شخصاً، توزعوا بين قاعة مسرح مركز الصفدي الثقافي وقاعة المحاضرات في الطابق الأول منه، تمكنوا من متابعة فعاليات المؤتمر عبر شاشة عملاقة نصبت لهذا الغرض.
وتمثل الحضور برسميين ونقابيين وروحيين ومثقفين وأركان من المجتمع الشمالي والطرابلسي. واستُهلّ المؤتمر بجلسة افتتاحية بدأت بالنشيد الوطني اللبناني، أعقبه نشيد الفيحاء لشاعرالفيحاء سابا زريق، ثم تولّى الأديب الدكتور جان توما تقديم المؤتمِرين. ندرج لكم الكلمات التي القيت في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر:
كلمة المفتي الشعار
ألقى مفتي طرابلس والشمال السابق، العلّامة الدكتور مالك الشعار، كلمةً استهلها بالإعراب عن سروره بالمشاركة في هذا المؤتمر، واصفًا إياه بأنه مؤتمر من نمط جديد، يعالج واحدةً من أهم الأولويات في عالم الإنسانية، بل من أبرز القضايا التي تعني العاملين في الحقل الإنساني عامة، ولا سيما المهتمين بكل ما يتصل بالإنسان، من حيث سعادته وأمنه واستقراره وشعوره بالأمن الذاتي والنفسي، وما ينعكس عنه من طمأنينة تجاه المستقبل والحياة.
وقال إن عنوان المؤتمر، «الصحة النفسية والتحولات الاجتماعية بين الأزمات وإمكانات التعافي»، يحمل دلالات عميقة، ويؤكد أن هناك أمراضًا نفسية تستوجب اهتمامًا بالغًا، وعناية فائقة، وعطاءً بلا حدود، لأن معظمها يرتبط بالإحساس الإنساني، وبالمشكلات العاطفية، وبفقدان المحبة، والاحتواء.
وأشار إلى أن كثيرًا من الناس لم يجدوا المحضن الذي يأوون إليه، واستبدت بهم الحيرة في مراحل مختلفة من حياتهم، فلم يجدوا مؤنسًا في بيوتهم، وربما عاشوا في عزلة، كما لم يجدوا خارج أسرهم صديقًا أو قريبًا أو عزيزًا يخفف عنهم آلامهم.
وشدد على أن الاهتمام بالصحة النفسية، من منظوره الديني، يرتقي إلى درجة الوجوب الشرعي، لأن التقصير فيه قد يؤدي إلى ضياع كثير من أبناء المجتمع، وما يترتب على ذلك من تدهور وذبول وضياع للأفراد.
وأوضح أن الأمراض النفسية ليست نمطًا واحدًا، وإنما هي متعددة الصور والأشكال، ولا يمكن معالجتها إلا باستيعابها فهمًا وتشخيصًا وعلاجًا، والعمل على الحد من آثارها النفسية والاجتماعية، ومن الجراح التي تتركها في أصحابها، والتي قد تبلغ أحيانًا حد القضاء عليهم.
ولفت إلى أن الإعاقات والأمراض الوراثية، أو تلك التي ترافق الإنسان منذ الولادة، كالتوحّد ونحوه، تترك بدورها آثارًا مؤلمة في نفوس المصابين بها، وتثير الحيرة والقلق، وقد تسهم في تدمير حياتهم، مؤكدًا أن المجتمع مطالب بتوفير الاحتياجات التي تخفف معاناتهم، وتمنحهم الأمل، وتساعدهم على العلاج والتأهيل.
ورأى أن كثيرًا من الأمراض النفسية في العصر الحديث هي من إفرازات المجتمعات المادية، التي ضعفت فيها قيم الرحمة والإنسانية، كما أن تقصير الدولة في رعاية الفئات الأكثر هشاشة يزيد من تعقيد هذه المشكلات.
وتوقف الشعار عند مرض الاكتئاب، واصفًا إياه بأنه من أخطر الأمراض النفسية، لما يسببه من ضيق في الصدر، وعزلة، وأرق، وقلق، وكثرة شكوى، وتململ، وفقدان للثقة بالآخرين، حتى بالمقربين منهم.
وأكد أن علاج هذه الأمراض لا ينبغي أن يقتصر على الوسائل الطبية فحسب، بل يتطلب أيضًا معالجة الجانب الروحي، معتبرًا أن تذوق حلاوة الإيمان يمثل أحد أهم وسائل التعافي، لأن كثيرًا من الناس، رغم امتلاكهم المال والثراء، يعيشون فراغًا نفسيًا يدفع بعضهم إلى الإدمان، أو الملاهي الليلية، أو القمار، بحثًا عن سعادة لا يجدونها.
وأضاف أن المال، على أهميته، لا يصنع السعادة بمفرده، ولا تحققها الثروة أو الجاه، بل إن الإنسان يحتاج إلى إشباع حاجاته الروحية كما يحتاج إلى إشباع حاجاته المادية، حتى يبلغ الاستقرار النفسي والشعور الحقيقي بالرضا والأمن.
وأشاد بالجهود التي يبذلها الأطباء والأخصائيون النفسانيون، وما يعتمدونه من وسائل علمية وتقنية حديثة، داعيًا في الوقت نفسه إلى عدم إغفال البعد الإيماني، وترسيخ قيم الرضا والقناعة، ولا سيما في مواجهة الابتلاءات والأزمات التي قد تكون خارجة عن إرادة الإنسان.
وأشار إلى أن الحروب والتحولات الاجتماعية والأزمات التي يشهدها لبنان ساهمت في ازدياد الاضطرابات النفسية، نتيجة الدمار، وتشريد السكان، وفقدان فرص العمل، وانتشار الفقر، مؤكدًا أن الحروب لا تدمر الحجر فقط، بل تدمر الإنسان أيضًا، وتبدد مستقبل الشباب.
وأضاف أن الفراغ يشكل أحد أخطر العوامل التي تقود إلى الانحراف، إذ يدفع كثيرين إلى الضياع، وتعاطي المخدرات، والحبوب المدمرة، وغيرها من الآفات التي تجعل العلاج أكثر صعوبة.
وأكد أن المؤتمر يكتسب أهمية خاصة لأنه يتناول أمراضًا تؤذي أصحابها وأسرهم ومجتمعهم، ويتطلب التصدي لها عملًا علميًا جادًا، وصبرًا، ومتابعة طويلة، بعيدًا عن المظاهر والشعارات.
واعتبر أن العناية بالصحة النفسية رسالة إنسانية سامية، لأنها تعيد البسمة إلى وجوه المتألمين، وتحتضن المنكسرين والمجروحين، وتخفف عنهم آلامهم ويأسهم.
كما أثنى على الدور الذي تضطلع به المرأة في هذا المجال، واصفًا إياها بأنها أكثر عطاءً وعاطفةً وصبرًا، لما تقوم به من دور في المواساة، وبث الأمل، ومرافقة المحتاجين إلى الدعم النفسي.
وختم العلّامة الدكتور مالك الشعار كلمته بمباركة هذا المؤتمر، مثنيًا على جهود القائمين عليه، ومتمنيًا لهم دوام النجاح والتوفيق في أداء رسالتهم الإنسانية النبيلة، لما فيه خير الإنسان والمجتمع.
كلمة الدكتور سابا زريق
وألقى رئيس مؤسسة شاعر الفيحاء سابا زريق الثقافية، الدكتور سابا قيصر زريق، كلمة المؤسسة فقال:
يَرتَبِطُ السُّقمُ عادةً بعِلَّةٍ تُصيبُ جَسَدَ الإنسان، غالباً ما تكونُ محدودةَ التأثير، لا تتخطّى العليلَ إلى مُحيطِهِ الأوسَع؛ وهنا يَبرُزُ التَّبايُنُ مع المريضِ نفسياً، المُصابِ باختِلالٍ غيرِ مَنظورٍ في تفكيرِه، يؤثِّرُ على عالَمِهِ الخارجي، ممّا يُوَلِّدُ نُدوباً جَمْعيّة، يتألّمُ منها المريضُ وعائلتُهُ وعالَمُهُ الأوسَع، وهي نُدوبٌ لا تندَمِلُ بسُهولة، بفِعلِ مُرورِ الزَّمَنِ الشّافي، إنْ هي اندمَلَتْ يوماً.
قالَ المُفَكِّرُ والعالِمُ والفَيلسوفُ الأندلُسي، إبنُ حَزم، في أوائلِ الألفِيَّةِ الميلاديّةِ الثّانية، “النَّفسُ تَأنَسُ بالنَّفسِ، أما الجَسَدُ فمُستثقَلٌ مبرومٌ به”. فإن كانَ الجَسَدُ المُتعَبُ عِبئًا على النَّفْسِ المَسجونةِ في لُجَجِهِ، أضحى الاهتمامُ بالنَّفسِ واجِباً يكادُ يكونُ فريضةً بحَدِّ ذاتِها.
لا شكَّ أن التَّطوُّراتِ والتَّحوُّلاتِ الجَذريَّةَ التي يَشهَدُها عالَمُنا المُعاصِر، بتعقيداتِهِ المُتنوِّعة، تجعلُ من الإضطراباتِ النَّفسيَّةِ قضيةً بمَصافِ آفةٍ من آفاتِ عَصرِنا. فينبغي إذاً صِيانةُ العقلِ، كما يُصانُ الجَسد. فإذا اختلَّ العقلُ، فَقَدَ المريضُ توازُنَهُ ومناعتَه، إن لم نَقُلْ في بعضِ الأحيان، قُدرتَهُ على مُواجهةِ الحياةِ، ولجأَ إلى الهُروبِ مِنها إلى حَتفٍ رآهُ مَلاذاً أخيراً.
الكلامُ في أمرِ النَّفْسِ غامضٌ جداً، على ما قالَهُ فلاسفةٌ كبار. لذلك، فإن دَورَ المُعالِجِ النَّفساني حَيويٌّ. عليهِ أن يُشَخِّصَ ما لا تَراهُ عَيناهُ في غَياهِبِ العَقلِ ومَتاهاتِه، وأن يَبني على تَحاليلَ، جُلُّها غيرُ ماديًّةٍ، لِيَضَعَ إصبَعَهُ على جُرحٍ لا يَسيلُ مِنهُ دَمٌ. المَطْلُوبُ أن يُصغيَ بهَدَفِ تَفَهُّمِ مَريضِهِ ويواكِبَهُ في ظروفٍ حالِكة، بخاصةٍ عندما يكونُ على شَفيرِ حياتِهِ، ضائعاً يفتِّشُ عن أسرَعِ طريقةٍ ليغادرَها. يتواصَلُ المُعالِجُ النَّفسيُّ معهُ ويُحاوِرُهُ ويتفاعَلُ مع كرامتِهِ ويُوجِّهُهُ نحوَ سُبُلِ الخَلاصِ، مع الأمَلِ باستعادَةِ ذاتِهِ المَجروحة. تَتعاطى المجتمعاتُ بتَفاوُتٍ نسبيً مع المرضى النَّفسانيين. فمنها، الأكثرُ جَهلاً، من يَرذُلُهُم ويُوصِمُهُم بعارٍ ليسوا هم مسؤولين عنه؛ وأخرى تتفَهَّمُ أوضاعَهُم وتَجهَدُ في سبيلِ إعادةِ إدماجِهِم فيها.
وهنا يأتي دَوْرُ نِقابةِ النَّفسانيين التي تُعنى بترسيخِ المَعاييرِ المِهْنيةِ والأخلاقيةِ لمُعالجةِ أولئكَ المرضى. وقد لمستُ عند لقائي سعادةِ النقيبة الدكتورة رجاء مكي طبارة تصميماً راسخاً على أن تبذلَ النِقابة ما بوسعِها لكي يشعُرَ المنتسبون إليها، كما مرضاهُم، أن كلَّ فردٍ منهم جديرٌ برعايتِها.
سوفَ يُركِّزُ مؤتمرُنا اليوم، في جلَساتِهِ الثلاث، على معالجةِ موضوعِهِ من زوايا عدّة: تأثيرُ الحُروبِ والعُنفِ والذّاكرةِ الجَماعية على الصِّحةِ النَّفسية؛ وواقعُ الصحة النفسية في فيحائِنا، التي لطالما عانَت، وما زالَتْ، من الفَقرِ والتَّهميش، وُصولاً إلى سُبُلِ التَّعافي النَّفسي بتَمكينِ الشَّبابِ والنُّهوضِ المُجتَمَعي.
آمُلُ أن تَسمحَ إضاءاتُ الخُبُراتِ العاليةِ التي سوفَ نسمعُ صَداها اليوم بإصدارِ تَوصياتٍ قابِلةٍ للتَّطبيق.
وأختُمُ بالتَّقدُّم، بإسم مؤسسة شاعر الفيحاء سابا زريق الثقافية، من نِقابةِ النَّفسانيين، بشخصِ النَّقيبة الدكتورة رجاء مكي طبارة، بجزيلِ الإمتنانِ لاختيارِها الفيحاءَ لإقامةِ هذا المؤتمرِ في رِحابِها، ودعوتِها مؤسستي إلى التَّعاوُنِ معها في هذا الصَّدَد، ومن سماحةِ العَلّامة الجَليل الدكتور مالك الشَّعّار على مُباركتِه مؤتمرِنا هذا بمُفتَتَحٍ نَضَحَ، على عادتِهِ، مع الإيمانِ العَميق، بالكَلِمِ الطَّيِّبِ والصّادق، وإلى كافةِ المؤتمَرين ومُديري الجَلَسات وعرّيفِ المؤتمر الأفاضل، على تكرُّمِهِم بإثراءِ محاورَ مُهمةٍ تَعني كلّاً منّا، وتَعني مُجتمعاتِنا بأسرِها.
أيها الحضور الكريم،
إن توافدَكُم الكثيف المشكور يُسعِدُ منظِمي المؤتمر، ويؤشِّرُ على نجاحٍ أكيدٍ له إن شاءَ الله.
كلمة نقيبة النفسانيين رجاء مكي طبارة
كلمة الختام ألقتها نقيبة النفسانيين في لبنان، الأستاذة الدكتورة رجاء مكي طبارة، فرحبت فيها بالمشاركين، مؤكدة أن انعقاد هذا المؤتمر يعكس التزام النقابة بتعزيز الوعي بالصحة النفسية، وترسيخ مكانة الاختصاص في خدمة الإنسان والمجتمع، ولا سيما في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها لبنان.
واستهلت كلمتها بالترحيب بالحضور، معتبرةً أن المؤتمر يجمع أهل الاختصاص والشركاء والمهتمين بالشأن الإنساني، انطلاقًا من الإيمان بأن الصحة النفسية تشكل ركنًا أساسيًا من أركان سلامة المجتمعات، وقدرتها على الصمود والتعافي.
وأشارت إلى أن المؤتمر ينعقد في مرحلة دقيقة يمر بها لبنان، بعد سنوات مثقلة بالأزمات والخسائر والتحديات التي تركت آثارًا عميقة في الأفراد والعائلات والمجتمع، مؤكدة في المقابل أن الإيمان بالإنسان، وبقدرته على النهوض واستعادة المعنى والأمل، يبقى حجر الأساس في الرسالة المهنية والإنسانية التي يحملها النفسانيون.
وشددت على الدور المحوري الذي يضطلع به النفسانيون في مواكبة الأفراد والمجتمعات خلال الأزمات وما بعدها، موضحة أن دورهم لا يقتصر على التخفيف من المعاناة النفسية، بل يمتد إلى ترميم الروابط الإنسانية، وتعزيز عوامل الصمود، ومرافقة مسارات التعافي الفردي والجماعي، وفق المبادئ العلمية والأخلاقية التي تقوم عليها المهنة.
ودعت إلى الالتفاف حول نقابة النفسانيين في لبنان، باعتبارها الإطار الجامع للكفاءات والخبرات، والحاضنة لأهل الاختصاص، والمنبر المدافع عن أخلاقيات المهنة، والساعي إلى تعزيز حضورها العلمي والمجتمعي، وتطوير دورها في خدمة الإنسان والمجتمع.
كما أعربت عن امتنانها لجميع المشاركين والمحاضرين، وللفعاليات الرسمية والأكاديمية والاجتماعية والإعلامية، مؤكدة أن التكامل بين مختلف القوى الحية في المجتمع يشكل شرطًا أساسيًا لبناء مستقبل أكثر توازنًا وإنسانية، معربة عن أملها في أن يشكل المؤتمر مساحةً للتفكير العلمي الرصين، ومنصةً لتبادل الخبرات، وصياغة المبادرات التي تسهم في تعزيز الصحة النفسية وترسيخ ثقافة التعافي والصمود والانفتاح.
ولفتت إلى الكلمة التي ألقاها مفتي طرابلس والشمال السابق، العلّامة الدكتور مالك الشعار، معتبرة أنها عكست رؤيةً إنسانية منفتحة تجاه قضايا الصحة النفسية، ومؤكدة حرص النقابة على الانفتاح والتعاون مع مختلف الشرائح الاجتماعية والثقافية والدينية.
وأوضحت أن دار الإفتاء تمثل جزءًا من هذا التوجه، في ظل استعانة المحاكم الشرعية والروحية بصورة متزايدة بالخبراء والأخصائيين النفسانيين في قضايا الطلاق، والعنف الأسري، وجنوح الأحداث، وغيرها من الملفات التي تتطلب خبرة نفسية متخصصة، مشيرة إلى ما لمسته من سماحة المفتي من انفتاح ورحابة صدر ودعم حقيقي لنشر ثقافة الصحة النفسية، وهو ما اعتبرته جزءًا من رؤية النقابة للتعاون مع مختلف المرجعيات الدينية والمدنية.
وأكدت أن المؤتمر، الذي تنظمه النقابة بالشراكة مع مؤسسة شاعر الفيحاء الدكتور سابا زريق الثقافية، وباستضافة مؤسسة الصفدي، يمثل أول مؤتمر علمي من هذا النوع في شمال لبنان، ويأتي في إطار رؤية اعتمدها مجلس النقابة المنتخب في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، لنقل النشاط العلمي إلى مختلف المناطق اللبنانية وعدم حصره في العاصمة.
وأثنت على الدعم الذي قدمه الدكتور سابا زريق للنقابة منذ انطلاقتها، مشيدةً بدوره في إنجاح هذه المبادرة، ومعلنة أن اللقاءات العلمية المقبلة ستُعقد في مناطق لبنانية عدة، بدءًا من صيدا دعمًا للجنوب، ثم في المتن وكسروان والبقاع، بعد إنجاز المؤتمر العلمي السنوي الرابع للنقابة، المقرر في شهر أيلول، معربة عن أسفها لتأجيل موعده بسبب الظروف الأمنية التي فرضت تأخيرًا قسريًا على عدد من الأنشطة العلمية.
وأكدت أن النقابة تتجاوز حدود العمل المهني إلى تحمل مسؤولية وطنية وأخلاقية وإنسانية، لافتة إلى أن ما شهده لبنان خلال السنوات الأخيرة من أزمات متلاحقة وخسائر مؤلمة ترك آثارًا عميقة في الأفراد والعائلات والمؤسسات والنسيج الاجتماعي، وأن الحروب لا تدمر البنى المادية فحسب، بل تترك ندوبًا نفسية تمتد آثارها عبر الأجيال، بما يفرض مسؤولية مضاعفة في مواكبة الإنسان، وحماية قدرته على الاستمرار، وإعادة بناء المعنى والأمل.
وأضافت أن النفساني يؤدي دورًا يتجاوز معالجة الأعراض، ليكون شاهدًا وشريكًا في مسارات التعافي الفردي والجماعي، ومرافقًا للإنسان في مواجهة الفقد والصدمة وعدم اليقين، مؤكدة أن عمله يمتد إلى تعزيز عوامل الصمود، وإعادة ترميم الروابط الإنسانية والاجتماعية، ودعم الطاقات الكامنة التي تمكّن الأفراد والجماعات من استعادة توازنهم والنهوض من جديد.
وأوضحت أن التعافي لا يعني محو الألم أو إنكار الخسارة، بل تحويل التجربة المؤلمة إلى قوة دافعة نحو إعادة البناء، فيما يشكل التعافي المجتمعي مسارًا تستعيد من خلاله المجتمعات ثقتها بنفسها وبمؤسساتها، وقدرتها على إنتاج الأمل رغم الجراح، مؤكدة أن النفسانيين يشكلون شركاء أساسيين في حماية الكرامة الإنسانية، وتعزيز ثقافة الحوار، ونشر قيم التضامن والتماسك المجتمعي.
وشددت على تمسك النقابة بأخلاقيات المهنة، وبالمعايير العلمية العالمية القائمة على الحياد، واحترام الآخر، ورفض الانجرار وراء النزعات والانقسامات، ولا سيما الطائفية منها، واضعة الإنسان وحقوقه وكرامته في صلب الممارسة النفسية، ومؤكدة أن قوة المهنة تنبع من وحدة أهلها، وتضامنهم، والتفافهم حول مؤسساتهم النقابية والعلمية، بما يضمن تطوير الاختصاص، والدفاع عن مكانته، وخدمة المجتمع بأعلى درجات المسؤولية والكفاءة.
وختمت مكي كلمتها معربةً عن أملها في أن يحمل المؤتمر رسالة أمل، وأن يشكل محطة علمية وإنسانية تسهم في ترسيخ ثقافة الصحة النفسية، وتعزيز التعاون بين مختلف المؤسسات، خدمةً للإنسان والوطن.
*
ثم توالى المؤتمرين في مداخلاتهم وسط استحسان ظاهر من قبل الحضور.
وفي ختام الجلسة الافتتاحية، قدّمت نقابة النفسانيين في لبنان، ممثلةً بنقيبتها الأستاذة الدكتورة رجاء مكي طبارة، درعًا تكريمية إلى رئيس مؤسسة شاعر الفيحاء سابا زريق الثقافية الدكتور سابا زريق، تقديرًا لجهوده في دعم المبادرات العلمية والثقافية، ورعايته المستمرة للمؤتمرات واللقاءات الفكرية التي تسهم في ترسيخ ثقافة الحوار، وتعزيز البحث العلمي، وخدمة المجتمع.
التوصيات التي صدرت عن المؤتمر:
– اعتماد الصحة النفسية أولوية وطنية ومحلية في السياسات العامة، ودمجها في الخطط الصحية والتربوية والاجتماعية والتنموية، باعتبارها ركيزة أساسية للاستقرار المجتمعي والتنمية المستدامة.
– إنشاء مراكز مجتمعية للدعم والإرشاد النفسي في المدن والمناطق الأكثر تأثرًا بالأزمات، ولا سيما في مدينة طرابلس، بحيث تقدم خدمات التشخيص والعلاج والدعم النفسي لجميع الفئات، مع إيلاء اهتمام خاص للأطفال والنساء والشباب وكبار السن.
– تطوير برامج متخصصة لعلاج اضطراب ما بعد الصدمة لدى الأفراد المتأثرين بالحروب والعنف والكوارث، واعتماد بروتوكولات علاجية حديثة تستند إلى الأدلة العلمية، مع ضمان استمرارية المتابعة النفسية وعدم الاكتفاء بالتدخلات الإسعافية.
– تعزيز البحث العلمي في مجالات الصدمات النفسية، والذاكرة الجماعية، والصدمات العابرة للأجيال، وربط نتائج الدراسات بصنع السياسات العامة والبرامج الوقائية والعلاجية.
– إدماج برامج الصحة النفسية في المدارس والجامعات من خلال نشر ثقافة الوعي النفسي، والكشف المبكر عن الاضطرابات، وتدريب المعلمين والمرشدين التربويين على أساليب التدخل الأولي والإحالة إلى الاختصاصيين.
– إطلاق برامج وطنية لدعم الشباب الذين يعانون البطالة والتهميش والإحباط، تجمع بين الإرشاد النفسي، وتنمية المهارات، والتأهيل المهني، بما يعزز الثقة بالنفس ويحد من السلوكيات الخطرة والانحراف والعنف.
– تعزيز الشراكة بين الجامعات والقطاع الصحي والبلديات ومنظمات المجتمع المدني لتطوير مشاريع مشتركة في الوقاية النفسية، وتنفيذ برامج ميدانية تستجيب لحاجات المجتمعات المحلية.
– تدريب العاملين في القطاع الصحي والاجتماعي والإغاثي على مبادئ الإسعاف النفسي الأولي، وإدارة الأزمات، والتعامل مع ضحايا الحروب والكوارث والعنف الأسري والمجتمعي وفق المعايير المهنية الحديثة.
– إطلاق حملات توعية مجتمعية للحد من الوصمة المرتبطة بالاضطرابات النفسية، وتشجيع الأفراد على طلب المساعدة المتخصصة، وترسيخ ثقافة اعتبار الصحة النفسية جزءًا لا يتجزأ من الصحة العامة.
– الاهتمام بالبيئات المهمشة والفقيرة عبر تنفيذ برامج نفسية واجتماعية متكاملة تراعي تأثير الفقر المزمن، والحرمان، والنزوح، وعدم الاستقرار الاقتصادي في الصحة النفسية وجودة الحياة.
– تشجيع المبادرات التي تعزز الانتماء والمرونة النفسية والتماسك الاجتماعي من خلال الأنشطة الثقافية والفنية والتطوعية، لما لها من دور في تعزيز التعافي الفردي والجماعي بعد الأزمات.
– إنشاء شبكة علمية دائمة للصحة النفسية في شمال لبنان تضم الجامعات، والجمعيات العلمية، والمراكز العلاجية، والباحثين، بهدف تبادل الخبرات، وتنفيذ الدراسات المشتركة، وعقد مؤتمر علمي دوري في مدينة طرابلس لمتابعة المستجدات العلمية وتقييم واقع الصحة النفسية في المنطقة واقتراح الحلول المناسبة.
وأقيم كوكتيل بالمناسبة
