بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد
ليس أخطر على أي دولة من أن تتحول السلطة التي يفترض بها أن تحمي القضاء إلى أداة لإضعافه. فبدل أن تؤمّن للقاضي الشجاع الحماية، وتمنح المتردد الثقة، وتفرض هيبة القانون على الجميع، تتسلل السياسة إلى أروقة العدالة، فيصبح القضاء ساحةً للتدخلات، وتصبح الأحكام، في بعض الأحيان، تُفصَّل على قياس أصحاب النفوذ.
عندما يُخنق القاضي الشريف، ويُترك الفاسد يعبث دون رادع، لا يكون المستهدف شخصًا بعينه، بل تكون العدالة نفسها هي الضحية. وعندما يشعر المواطن أن القانون لا يُطبَّق إلا على الضعفاء، يفقد ثقته بالدولة، لأن الدولة لا تقوم على كثرة المؤسسات، بل على استقلال القضاء وسيادة القانون.
لا أمل بوطن يكون فيه بعض الناس فوق القانون، فيما يُحاسَب الآخرون على أبسط الهفوات. فلا دولة بلا عدالة، ولا عدالة بلا قضاء مستقل، ولا قضاء مستقل ما دامت السياسة قادرة على التأثير في أحكامه أو في مصير قضاته.
ويبقى ما قاله جوناثان سويفت معبّرًا عن واقعٍ يتكرر في كثير من المجتمعات: “القوانين مثل خيوط العنكبوت؛ تعلق بها الحشرات الصغيرة، أما الكبيرة فتخترقها وتعبر.”
وليس انهيار الاقتصاد أخطر ما يصيب الأوطان، ولا اهتزاز السياسة، فكل ذلك يمكن إصلاحه. أما إذا انهار القضاء، فقد انهار آخر حصن يلجأ إليه المظلوم، وسقطت الدولة وإن بقيت مؤسساتها قائمة.
فالدولة التي لا يحكمها القانون، يحكمها النفوذ، والعدالة التي تُفصَّل على المقاس ليست عدالة، بل ظلم يرتدي ثوب القانون. فإذا كان القضاء هو ميزان الدولة، فكيف تستقيم الأوطان حين يُكسَر ميزانها؟
