كتب// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد
منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين إسبانيا وإسرائيل عام 1986، حافظت مدريد لعقود على سياسة أوروبية تقليدية تقوم على الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود، مع دعمها في الوقت نفسه لقيام دولة فلسطينية ضمن إطار حل الدولتين.
لكن الحرب التي اندلعت في غزة في 7 تشرين الأول 2023 شكّلت نقطة تحول واضحة في الموقف الإسباني، إذ انتقلت إسبانيا من موقع أوروبي حذر إلى أحد أكثر الأصوات الأوروبية انتقاداً لسياسات الحكومة الإسرائيلية الحالية.
فقد رفعت حكومة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز منسوب انتقاداتها للعمليات العسكرية الإسرائيلية، داعية إلى وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، والسماح بوصول المساعدات الإنسانية إلى غزة، مع التأكيد في الوقت نفسه على إدانة هجوم حماس وضرورة إطلاق سراح الرهائن.
وفي 28 أيار 2024، اتخذت إسبانيا خطوة سياسية بارزة عندما أعلنت اعترافها الرسمي بدولة فلسطين، معتبرة أن هذه الخطوة تأتي دعماً لحل الدولتين ومحاولة لإبقاء خيار السلام قائماً. وقد أثار القرار غضب الحكومة الإسرائيلية التي اعتبرته خطوة سياسية غير مناسبة في ظل الحرب، بينما رأت فيه مدريد موقفاً منسجماً مع القانون الدولي ورؤية السلام.
وفي حزيران 2024، أعلنت إسبانيا انضمامها إلى الإجراءات أمام محكمة العدل الدولية في القضية التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل، مؤكدة أن الهدف هو دعم احترام القانون الدولي الإنساني.
كما واصلت مدريد انتقاد سياسة الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية، معتبرة أن استمرار التوسع الاستيطاني يهدد إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
لماذا ينظر محور الممانعة إلى إسبانيا بإيجابية؟
ينظر محور الممانعة إلى الموقف الإسباني باعتباره أكثر قرباً من خطابه السياسي، بسبب عدة عوامل أبرزها:
اعتراف إسبانيا بدولة فلسطين في وقت رفضت فيه إسرائيل ودول أخرى هذه الخطوة.
انتقادها العلني لسياسات حكومة نتنياهو.
اعتمادها خطاباً يركز على القانون الدولي وحقوق الفلسطينيين.
لكن هذا التقارب يبقى سياسياً وإعلامياً، لأن إسبانيا لا تزال تعترف بإسرائيل كدولة، وتحافظ على علاقات دبلوماسية معها، ولا تتبنى مشروع إلغاء وجودها.
في المقابل: لماذا يوجّه محور الممانعة انتقادات إلى الأرجنتين؟
منذ وصول الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي إلى السلطة عام 2023، اتخذت بوينس آيرس مساراً مختلفاً.
فقد أعلن ميلي دعماً قوياً لإسرائيل، وقام بزيارة إليها في فبراير 2024، مؤكداً تضامنه معها في مواجهة ما وصفه بالإرهاب، كما تبنى مواقف قريبة من الموقف الإسرائيلي والأميركي، الأمر الذي جعل خصومه يعتبرون سياسته “انحيازاً كاملاً” لإسرائيل.
وهكذا أصبحت المقارنة بين مدريد وبوينس آيرس جزءاً من السجال السياسي العالمي: إسبانيا تُرى من قبل منتقدي إسرائيل كدولة اتخذت موقفاً أكثر استقلالية عن السياسة الإسرائيلية، بينما تُرى الأرجنتين في عهد ميلي كدولة أكثر قرباً من تل أبيب وواشنطن.
بين السياسة وكرة القدم: عندما تحاول الشعوب أن تختار ملعبها السياسي
خلال منافسات كأس العالم، ظهر انقسام في التعاطف الشعبي بين من أيّد المنتخب الإسباني ومن تعاطف مع المنتخب الأرجنتيني، خصوصاً بسبب الاختلاف الكبير بين المواقف السياسية للبلدين تجاه القضية الفلسطينية وإسرائيل.
فإسبانيا حظيت بتعاطف شرائح واسعة ترى في مواقف حكومتها رفضاً للسياسات الإسرائيلية الحالية، بينما حظيت الأرجنتين بدعم آخرين رأوا في موقفها المؤيد لإسرائيل تعبيراً عن رؤية سياسية مختلفة.
لكن من الخطأ تحويل الرياضة إلى امتداد مباشر للسياسة. فالفوز ببطولة العالم لا يتحقق بسبب التأييد الشعبي أو بسبب موقف الحكومة، بل نتيجة قدرات اللاعبين، وجودة الإعداد، والانضباط، والأداء داخل الملعب.
فالمنتخب الإسباني، إذا حقق البطولة، يكون قد استحقها بفضل مستواه الفني وتطوره الكروي، وليس بسبب الموقف السياسي لبلاده. وكذلك فإن المنتخب الأرجنتيني لا يُختصر بموقف حكومته، كما أن المنتخب الإسباني لا يمثل وحده كل مواقف المجتمع الإسباني.
فالرياضة تبقى مساحة مختلفة عن السياسة؛ قد تتأثر بالمشاعر والهويات، لكنها في النهاية تحكمها قوانين المنافسة والموهبة والعمل الجماعي.
الخلاصة
تكشف المقارنة بين إسبانيا والأرجنتين اختلافاً واضحاً في الرؤية السياسية:
إسبانيا: تؤيد وجود إسرائيل، لكنها تنتقد سياسات حكومتها الحالية، وتعترف بدولة فلسطين، وتدعو إلى حل الدولتين.
الأرجنتين بقيادة ميلي: تتبنى موقفاً أكثر قرباً من إسرائيل والولايات المتحدة.
أما في الملعب، فتبقى القاعدة مختلفة: السياسة تصنعها الحكومات، أما البطولات فتصنعها الأقدام والعقول.
ومن هنا فإن أي انتصار رياضي هو ثمرة الجهد والموهبة، وليس نتيجة اصطفاف سياسي أو انقسام أيديولوجي.
