كتب علي قصاب
حين يمتزج صخب الكؤوس وبوفيه الـ”كوكتيل” بمرارة الفقد، وتتحول الفعاليات الرياضية إلى منابر لـ”جلد الضحية” بدلاً من محاسبة المقصر، يسقط القناع عن المنظومة برمتها. ما شهده المؤتمر التوعوي الأخير الذي دعا إليه الاتحاد اللبناني لألعاب القوى، لم يكن مجرد ندوة طبية بروتوكولية كما حاول البيان الرسمي المعمم والمضلل تصويره، بل كان “مسرحية تبرئة” جرى إعداد كواليسها بعناية لإلقاء اللائمة على عائلة المغدور، لولا انتفاضة أمٍّ هزت عروشهم المتهالكة.
بينما كان الأمين العام للاتحاد وسيم الحولي يستفيض في التعريف بالحضور بأسلوبه البروتوكولي المعهود، قطعت المشهد ريان مكداش، والدة العداء البطل الراحل محمد علي دعبول، برفقة 5 فتيات. لم تدخل لتستجدي عطفاً، بل دخلت بوقار مَن يملك الحقيقة الجنائية المدعومة بملف طبي ناصع.
انتزعت الأم المنبر لتعيد صياغة الواقع الميداني الذي تحاول جمعية “بيروت ماراثون” طمسه كلما سنحت الفرصة، بحسب كلام الأم، اذ ان ابنها البطل رياضي منذ عمر الثلاث سنوات في التايكوندو، الكيك بوكسينغ، والسباحة، لم يكن يعاني من أي عارض صحي. لذلك الخطيئة لم تكن في قلبه، بل في “الدقائق الذهبية المهدورة”.. نصف ساعة بالتمام حتى لفظ فيها الفتى انفاسه الاخيرة على أسفلت الطريق (بين سلعاتا وجبيل) بلا جهاز صدمات كهربائية محمولة (AED)، وبلا سيارة إسعاف تنقذه، بعد أن سقط عند الساعة 8:30 صباحاً ولم تتدخل أي تغطية طبية حقيقية للماراثون حتى قاربت الساعة التاسعة.
وفي لحظة تعري السياسات الفوقية داخل القاعة، وجه رئيس الاتحاد رولان سعادة كلامه إلى الأم المفجوعة، مدعياً بثقة أنه يرأس هذا الاتحاد منذ أكثر من 14 عاماً، وأنه يتحمل المسؤولية كاملة في حال ثبوت أي إهمال من الاتحاد باعتباره الجهة المشرفة على تنظيم هذه الفعاليات. غير أن هذا الادعاء أرفقه سعادة بابتسامة وضحكة ساخرة مستخفة بمرارة الموقف، وهو ما دفع الأم فوراً للالتفات بنظراتها ونبرة حارقة نحو الكاميرا التي تصورها قائلة: “انظروا.. إنهم يضحكون على وجع أم فقدت ابنها!”.
هذا الانكشاف الإعلامي المباشر أجبر سعادة على التراجع السريع وتبديل ملامحه من أسلوب السخرية إلى أسلوب الجدية لتدارك الفضيحة المصورة. وهنا، وفي محاولة بائسة لحماية أسوار المنظومة، تدخل نائب رئيس الاتحاد نعمة الله بجاني مقاطعاً بذريعة أن “هذا ليس المكان للمحاكمة، بل للتوعية”، وهي مقاطعة لا تعكس فقط الرغبة في خنق صوت الأم، بل تكشف عن عمق الصراعات الداخلية في الاتحاد، اذ ان بجاني يسعى دوما -عند كل استحقاق داهم للاتحاد- لتوظيف كل الأوراق للإطاحة برئيس الاتحاد والجلوس على كرسيه…
وعندما غادرت الوالدة القاعة، خرجت بدموعها لتطلق عند الباب صرخة وجدانية أثرت في الحضور قائلة: “لا أريد أن أرى ريان أخرى تبكي ابنها، ولا أريد لظاهرة موت الأطفال على مسارات السباق أن تتكرر”. هذه الكلمات دفعت رئيس الاتحاد ونائبه للركض خلفها إلى الخارج، ليغير سعادة خطابه بالكامل موجهاً كلامه بجدية كاملة للأم قادماً باعتراف ضمني: “أنا أتفهم شعورك بالكامل وأتضامن معك”.
“شاهدة زور” بعباءة علمية!
أما الفضيحة الأكبر التي خيمت على المؤتمر، فتمثلت في المادة الطبية “المسيّسة” التي قدمتها الدكتورة رزان عبدالله او عبدالعال، كما يطلق عليها الاتحاد. الطبيبة الشابة التي لا يملك اسمها أي رصيد من الأبحاث الطبية الموثقة على محركات البحث أو المواقع الإخبارية، دخلت القاعة متسلحة بصفة “إختصاصية”، متناسيةً عمدًا التعريف بصفة تضارب المصالح الفاضحة: كونها عضواً في اللجنة الصحية لـ “بيروت ماراثون” ذاتها!
جاء خطاب عبد العال مشحوناً بلغة غير احترافية، وموجهاً بوقاحة مباشرة نحو أم الراحل محمد علي (..).
حين تفتتح طبيبة عروضها بالقول إن “50% من الحالات التي تصادفها تذهب إلى الموت”، فهي لا تقدم علماً إنقاذياً بل تصيغ تبريراً مسبقاً للتقصير التنظيمي. الأدهى من ذلك، هو نقلها لسهام الاتهام علناً نحو الأهل، مدعيةً أن المسؤولية تقع على عاتقهم في عدم إخفاء عوارض أولادهم، متبوعةً باعتراف تنظيمي صادم يدين جمعيتها: كيف أستطيع أن أطلب اختبارات وفحوصات صحية لأكثر من 5000 عداء؟.
هذا التساؤل العاجز هو إقرار علني بأن الجمعية تدير سباقاتها بعضلات تجارية لحشد الآلاف، دون أن تمتلك القدرة أو النية الوجدانية لتأمين أدوات السلامة الدولية. ولم تقف التغطية عند هذا الحد، بل تجرأت الطبيبة على التقليل من أهمية أجهزة الصعق الكهربائي (AED) بالادعاء أنها “لا تعطي نتيجة دائماً”، في محاولة بائسة للإيحاء بأنه حتى لو وفرت الجمعية الجهاز المفقود، فإن محمد علي كان سيموت حتماً؛ وهو التفاف علمي رخيص لتبرئة جهة عملها من المسؤولية الجنائية.
تواطؤ “المدراء” وضمير “المدربة” الميت!
لم تكن الطبيبة وحدها في خندق الدفاع عن المقصرين؛ إذ سارع المدير الفني للمنتخب وديع الحولي لنجدتها قاطعاً حديث الوالدة عن الفريق الذي ينتمي له ابنها الراحل “وي ليد” (We\ Lead) بقيادة المدرب وليد القباني. اذ صوّب هذا المدير نيرانه نحو الأوراق الرسمية، غامزاً من قناة أن الفريق قد يكون لا سجل له في الاتحاد، ليحمل الأهل مسؤولية إشراك أولادهم في فرق “غير مرخصة”، مكرساً ذات العقيدة: تبرئة المنظومة وجلد الضحية وعائلتها.
لكن الموقف المشين الذي سيبقى وصمة عار في تاريخ الرياضة اللبنانية، جاء على لسان مدربة المنتخب سهى مرزوق صباغ.
صباغ، التي يُفترض بها أن تكون مؤتمنة على سلامة لاعبين شباب يركضون في ذات الفئات العمرية لمحمد علي، قاطعت الأم قائلة بجفاف: “نحن لم نأت لنستمع إلى هذه الحادثة، جئنا للتكريم وحفاظاً على الوقت لننهي هذا الكلام لأن لا وقت لدينا للاستماع”. غاب عن ذهن الصباغ أن الوقت الذي تبخل به للاستماع لأم مكلومة، هو ذاته الوقت (النصف ساعة) الذي حُرِم منه محمد علي وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة تحت شمس الإهمال التنظيمي.
في سياق متصل، تثبت التسجيلات الصوتية وكواليس التفاوض أن الجهات المنظمة تدرك يقيناً ضعف موقفها القانوني. اذ انه حين فشل عرض رئيسة الجمعية مي الخليل بتقديم “جائزة سنوية” لامتصاص غضب الأهل، وحين قطع محامي العائلة الطريق على أي تسوية ودية قائلاً: “نحن رافعين قضية.. ما فينا نكون حبايب وأصحاب وماشيين بالقضاء”، لجأوا إلى وساطات روحية عبر الاسهام ومساعدة الأم التي تسعى إلى بناء “مسجد” عن روح ابنها كصدقة جارية.
البعد القانوني: القتل بالتسبب والإهمال الجسيم
في سياق متصل، أشارت مصادر قانونية الى انه “لا يمكن إدراج هذه الحادثة تحت باب “القضاء والقدر” أو “المضاعفات الطبية المفاجئة”؛ بل هي مكتملة الأركان ضمن مفاهيم القتل الناتج عن الإهمال الجسيم والتقصير الوظيفي”:
1. انتفاء معايير السلامة الدولية (Safety\ Protocols): تنظيم سباق على مسافة ٢٤ كيلومتراً يضم آلاف المشاركين دون توزيع أجهزة الصعق الكهربائي المتحركة (AED) وسيارات إسعاف مجهزة بالإنعاش القلبي الرئوي (CPR) على فواصل زمنية ومكانية لا تتعدى دقائق معدودة، يعد إخلالاً صريحاً بالشروط التي تنص عليها الاتحادات الدولية لألعاب القوى (World\ Athletics).
في هذا السياق، نستذكر تصريح أمين سر المستشار الإعلامي لجمعية “بيروت ماراثون” حسان محي الدين عند سؤاله عن عدم وجود أجهزة “AED” في السباق الذي كان يشارك فيه محمد علي، اذ يجيب: “يضمّ الماراثون حوالى 1200 عدّاء، وليس من السهل تأمين أجهزة وتوزيعها على طول المسافة”.
2. المسؤولية المدنية والجنائية المباشرة: يقع العبء القانوني على الجمعية المنظمة ممثلة برئيستها مي الخليل، وعلى الاتحاد اللبناني لألعاب القوى باعتباره الجهة الراعية والمشرفة، للتسبب في الوفاة نتيجة غياب العناية الطبية الفورية خلال “الدقائق الذهبية” (Golden\ Minutes).
3. جريمة التضليل وإخفاء أدلة التقصير: محاولة تسييس العرض الطبي في المؤتمر، وحجب الشروط الصحية للسباق، يعد محاولة مكشوفة لتضليل التحقيق القضائي الجاري وحماية مكاسب تجارية على حساب الأرواح.
بالمحصلة، إن دماء الطفل محمد علي وضعت الرياضة اللبنانية برمتها أمام مرآة أخلاقية وقانونية عارية. المعركة اليوم ليست معركة “فحوصات صحية دورية” يتهرب الاتحاد والجمعية عبرها من المسؤولية، بل هي معركة محاسبة جنائية واضحة ضد الإهمال الذي تقوده مي الخليل وجمعيتها تحت غطاء وتواطؤ من بعض مسؤولي الاتحاد.
