بقلم// د. عدنان منصور*
أثناء الحرب الأميركية في فيتنام، شهدت دلتا الميكونغ سلسلة طويلة من المعارك العسكرية النهرية بين قوات الفيتكونغ والقوات الأميركية. كانت المنطقة من أصعب ساحات الحرب الدائرة حينها، وكانت الدلتا سلة الأرز الرئيسة لجنوب فيتنام، حيث استخدمتها قوات الفيتكونغ، بقيادة الجنرال نغويين جياب (Nguyễn Giáp) الاستراتيجي وأسطورة المقاومة العسكرية الفيتنامية، لنقل السلاح والمؤن في حربهم ضد القوات الأميركية التي سعت إلى السيطرة على الدلتا، وقطع خطوط الإمداد عن قوات الفيتكونغ.
خاضت القوات الأميركية معارك ضارية شرسة للسيطرة على الدلتا بين عامي 1965 و1973، والبالغة مساحتها 40500 كلم²، حيث عمدت القيادة العسكرية الأميركية إلى إنشاء قوات نهرية متحركة، استخدمت زوارق دورية، وقوارب إنزال، ومدفعية عائمة، ومقاتلات جوية.
كانت غاية العمليات الحربية السيطرة بأي وسيلة على الدلتا، وهزيمة قوات الفيتكونغ، إلا أن قوات الفيتكونغ زرعت كمائن وألغامًا، وعبوات ناسفة على ضفاف القنوات للدلتا، وقامت بهجمات سريعة ضد العدو ثم الانسحاب، مستفيدةً من الأنفاق والمخابئ التي بنتها، ومعرفتها الدقيقة بالتضاريس، وتضامن والتفاف السكان المحليين معها.
اعتمد الأميركيون على التفوق الناري النوعي، والطيران الحربي، والاستخبارات، والمراقبة الجوية، مما مكنهم من تحقيق نجاحات مهمة فتحت لهم الممرات المائية، ودمرت قواعد عسكرية، وألحقت خسائر فادحة بالفيتكونغ، لكنهم لم يستطيعوا استراتيجيًا القضاء على البنية السياسية والعسكرية للفيتكونغ. ما جعل إحدى المفارقات الكبرى في الحرب الفيتنامية، أن أكبر قوة عسكرية في العالم استطاعت أن تحقق انتصارات تكتيكية في عدد كبير من العمليات العسكرية، لكنها لم تستطع أن تحقق انتصارًا سياسيًا وعسكريًا استراتيجيًا حاسمًا، على الرغم من أن عدد القوات الأميركية العاملة في فيتنام الجنوبية قفز من 16 ألف جندي بداية حكم الرئيس الأميركي ليندون جونسون عام 1963، ليصل إلى 550 ألف جندي قبل نهاية عهده عام 1968. اعتمد جونسون دون جدوى على القوة النارية الهائلة، وذلك بعد إسقاط ملايين الأطنان من القنابل لإكراه قوات الفيتكونغ وحملها على الاستسلام، وهذا ما باء بالفشل الذريع.
بالمفهوم الاستراتيجي العسكري، أجمع كل الخبراء العسكريين في العالم على أن الولايات المتحدة هُزمت سياسيًا وعسكريًا في فيتنام؛ لأنها لم تستطع تحقيق النصر الحاسم، ولم تستطع الحفاظ على نظام فيتنام الجنوبية العميل لها، ولا منع انتصار الشمال الشيوعي، مما عجّل في انسحاب القوات الأميركية من فيتنام عام 1973، بعد أن لحقت بها هزيمة استراتيجية مدوية في العالم، تاركةً عاصمة الجنوب سايغون لمصيرها المحتوم، لتسقط لاحقًا في أيدي الفيتكونغ عام 1975.
ماذا اليوم عن الحرب الدائرة في الخليج، وحول مضيق هرمز بالذات؟! هل يمكن أن يتحول المضيق إلى مستنقع جديد للقوات الأميركية؟ وإن كان هذا المستنقع ليس حتميًا، لكن من المحتمل جدًا وقوع الولايات المتحدة فيه، بسبب عناد الرئيس الأميركي الحالي ترامب، ومغامرته الدخول في حرب استنزاف بحرية وجوية مفتوحة غير معروفة النتائج مسبقًا.
بعد إطلاق ترامب يوم 8 تموز/ يوليو الحالي رصاصة الرحمة على مذكرة التفاهم، واعتبارها ميتة، أعاد فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية، وفتح الباب واسعًا أمام عمليات عسكرية أميركية ـ إيرانية متبادلة؛ إذ إن ضيق الممر البحري يجعل السفن والقواعد العسكرية القريبة منه أكثر عرضة للاستهداف من قبل الإيرانيين، بعد أن استطاعت القوات الإيرانية زرع الألغام البحرية المنخفضة التكلفة نسبيًا، لكن إزالتها من قبل القوات الأميركية بطيئة ومعقدة. كما أن الصواريخ والمسيّرات، والزوارق الحربية السريعة التي تملكها إيران، تسمح لها بهجمات متكررة من مسافات مختلفة، مما يفرض عبئًا دائمًا على القوات والقواعد والمنشآت العسكرية الأميركية لجهة المراقبة والحماية والدفاع عنها، خاصة إذا ما امتد التصعيد إلى القواعد والموانئ والمنشآت الحيوية الاستراتيجية في دول الخليج.
إن حربًا طويلة ستصيب الاقتصاد العالمي وتهزه في الصميم، وستؤدي إلى اضطراب وشلل للملاحة الدولية، وإلى رفع تكلفة الحرب في العالم اقتصاديًا وماليًا وتجاريًا. صحيح أن الولايات المتحدة تتمتع بتفوق عسكري هائل في الجو والبحر، ومجال الاستخبارات، والذكاء الاصطناعي، وتستطيع أيضًا إلحاق أضرار عسكرية واقتصادية كبيرة بإيران، إلا أن مأزق أميركا ترامب مع إيران – مثلما كان مأزق جونسون في فيتنام مع الفيتكونغ – هو مأزق استراتيجي وليس تكتيكيًا. إذ كيف يمكن للولايات المتحدة حماية الملاحة، والقواعد العسكرية، وحلفائها بصورة مستمرة، وتحقيق النصر، فيما إيران بوحدة شعبها، وبإرادتها القوية، ومقاومتها الشديدة، تستمر في إغلاق المضيق بشروطها، وتعيد زرع الألغام، وإطلاق الهجمات المضادة؟! قرار ترامب الطائش والأرعن في العودة إلى الحرب يدخل ولا شك الولايات المتحدة في دائرة الفعل الأميركي ورد الفعل الإيراني، ويزيد من ارتفاع تكلفة الحرب، وتأثيرها على اقتصادات دول العالم، وعلى حركة سلاسل التوريد للطاقة من نفط وغاز، والسلع العادية والاستراتيجية! هنا يبدأ غوص ترامب في مستنقع مضيق هرمز، الذي يغطي مساحة مائية إجمالية تتجاوز 40 ألف كلم²، ما يعادل مساحة دلتا الميكونغ، إذا ما أراد الانتقال من حماية الملاحة إلى حرب مفتوحة، دون هدف سياسي يصعب تحقيقه.
حينئذ يصبح مضيق هرمز فعليًا مستنقع استنزاف استراتيجي للولايات المتحدة، حتى ولو بقيت متفوقة في المواجهات العسكرية؛ لأن التفوق في المعارك لا يضمن مطلقًا الانتصار النهائي في الحرب، وما تجربة حرب فيتنام، وثورة الجزائر، ومقاومة الأوروبيين للاحتلال النازي، إلا الدليل الحي على ذلك.
التاريخ مليء بالشواهد؛ دول دخلت في نزاعات دامية، كانت متفوّقة عسكريًا، لكن خروجها منها كان صعبًا للغاية وكارثيًا. في البداية كانت تحقق إنجازات عسكرية، وفي النهاية خرجت مهزومة سياسيًا ومعنويًا وبشريًا.
هل يتكرر مشهد الحرب ثانية في مضيق هرمز مع الرئيس الأميركي ترامب، ليخرج من المضيق كما خرج جونسون من دلتا الميكونغ، وبعدها من فيتنام كلها بهزيمة منكرة!
هو ترامب في تبدله السريع يخلق حالة انفصام من عدم اليقين داخل الأوساط السياسية والإعلامية العالمية، خاصة عندما يتعلق الأمر بملفات حساسة، كالملف الإيراني، وملفات الحرب والأمن والسلام.
تصريحاته المتناقضة تنتقص من مصداقيته، وتبدد ثقة الآخرين به، نتيجة سوء تقديره، وخطر تصعيده، وفلتات لسانه، وخروجه عن الأصول، واللياقات، ولجوئه إلى الأدبيات الجارحة عندما يتناول الآخرين. هل يُعقل أن يقوم الرئيس ترامب بوصف قادة ومسؤولين إيرانيين يوم 8 تموز/ يوليو الماضي بعبارات شديدة لا تليق مطلقًا برئيس دولة عظمى، عندما ينعتهم بـ “الحثالة”، وبأنهم “أشخاص مرضى”، وذلك بعد إعلانه إنهاء مذكرة التفاهم، في حين سبق له أن وصف القيادة الإيرانية بأنها “عقلانية” و”حكيمة”!.
هو ترامب الذي اشمأز العالم وقرف من استهزائه، واستخفافه، وإهانته لدول وحكام، وتغيير مواقفه المتناقضة بين ليلة وضحاها.
أمام هيجان واندفاع المغامر، والمقامر، بحرب مضيق هرمز، نستعيد وقائع انتصار الفيتكونغ على أعتى قوة عسكرية في العالم، ونترقب نتائج وتداعيات الحرب الدائرة في الخليج؛ لأن عند مضيق هرمز الخبر اليقين، ومنه ترسم خريطة جديدة للمنطقة، وإن غداً لناظره قريب…
*وزير الخارجية والمغتربين الأسبق
عن صحيفة “البناء”
